تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله واحد: تعني أن الإنسان يود أن يكون واحدا، فردا، ذا شخصية واحدة، رؤيته واحدة، وسلوكه واحد. ولكن الواقع أن الإنسان يعيش في عصر النفاق حيث يبطن الناس غير ما يظهرون، ويظهرون ما لا يبطنون، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون، عصر الازدواجية والتملق والمداهنة والتلون. ومع ذلك فإن الإنسان لا يتخلى عن الوحدانية كمثل أعلى له قد يتحقق في يوم ما، يحافظ عليه، كامنا في نفسه. ولما كان يعيش مغتربا في العالم، يعيش في نظام لم يختره ولم يستشره أحد فيه، فإن وعيه بذاته يتحجر خارجا عنه ويتشخص فوقه، يجله ويعظمه حتى يؤلهه ويتعبده. ولما أراد وصفه ومحادثته فقد وصفه بأعز ما لديه، بحلمه الذي لم يتحقق، فيقول: «الله واحد». فإذا ما تغيرت الظروف، وتحقق الحلم وأصبح الإنسان واحدا بلا منافذ تتسرب من خلالها طاقاته، وأصبح مجتمعه واحدا بلا طبقات، بلا غني أو فقير، بلا عظيم أو حقير، بلا قاهر ولا مقهور تتحقق الصفة، وتتحول إلى واقع حي معاش. هنا يسترد ذاته المغتربة ويصبح من جديد واعيا بذاته فيرد لها وصفها المغتصب. وهذا لا يتحقق بطبيعة الحال إلا باكتمال شرطي الوعي بالذات والوعي بالتاريخ.

ويمكن تحليل الأسماء بنفس الطريقة. فما ظنه الإنسان على أنه «أسماء الله الحسنى» من أحصاها فقد دخل «الجنة» هي في حقيقة الأمر مثل الإنسان العليا النظرية من علم وخبرة وشهادة وحكمة أو العملية من عدل وقسط، وما يبغيه من رحمة ولطف وود وكرم. ولما كانت هذه المثل بعيدة المنال لم يحققها الإنسان بعد في حياته، فإنه مع ذلك لا يتخلى عنها ويظل ينظر إليها كباقة زهر يتغنى بها ويتعبدها كالكواكب الساطعة والنجوم المضيئة في ظلمة الليل البهيم. فإذا ما تحققت الحكمة والعلم والرحمة والعدل والقسط والود واللطف والحلم في حياته تتحول الأسماء إلى حالات شعورية وأوضاع اجتماعية. وعندما يستمد الإنسان ذاته المفقودة المدفوعة خارجه، والمقذوفة أعلاه، يسترد لها أسماءها فيصبح الإنسان رحيما ودودا عفوا غفورا شكورا حليما ... إلخ. وإحصاؤها هنا لا يعني عدها الحسابي، بل تحققها في حياته العملية وتشبهه بها، وتمثلها وتحويلها إلى سلوك وأبنية اجتماعية حتى يصبح المثال واقعا، والوحي طبيعة، والله عالما. والجنة هنا لا تعني الجنة الموعودة خارج الأرض، بل تعني تحقيق المثل العليا في حياته وبالتالي يتحول عالمه إلى نظام مثالي، إلى أرض موعودة جديدة، إلى دنيا تتحقق فيها الآخرة. عندئذ يصبح «ملكوت السموات» قريب، ويتحقق الوعد، ويرث الأرض العباد الصالحون، وتتحقق الخلافة، وتؤدى الأمانة، ويقابل فعل الخلق من الله بفعل الإبداع من الإنسان. فإذا كان الخلق يعني انفصام المثال عن الواقع فإن تمثل الأوصاف والصفات والأسماء كأبنية نفسية واجتماعية تعني وحدة الواقع في المثال، وبالتالي ينتهي الزمان، ويتحقق التاريخ. (4-2) القضايا السالبة

وهي القضايا التي يكون الله فيها أيضا موضوعا، ولكن يكون المحمول منفيا، فالنفي للمحمول وليس للموضوع، مثل الله ليس جاهلا، الله ليس عاجزا، الله ليس ميتا ... إلخ. وهي تعني أيضا في نشأتها وتكوينها نفس ما تعنيه القضايا الموجبة ولكن على نحو مضاد وعن طريق القلب. قد يكون النفي بحرف «لا» مثل لا في مكان، أو بالحرف «ليس» مثل ليس بجاهل، أو بكلمة «غير» أو بأداة الاستثناء مثل «إلا الله» أو بأية أداة نفي أخرى. وفي هذه الحالة يقوم الشعور أيضا بعدة عمليات رئيسية على شكل خطوات لا شعورية تكون قواعد في المنهج اللاشعوري. أولا الحكم بأن صفات الإنسان كالموت والانفعال والمعاناة والأهواء ... إلخ صفات نقص في حين أنها مكونات الإنسان وأبنيته النفسية والاجتماعية المتغيرة. ثانيا إسقاط صفات النقص هذه على المؤله المشخص القابع في الكمال ثم نفيها عنه، وهو موقف يقوم على اتهام الذات بكل صفات النقص ثم التخلي عنها وعدم تغييرها من أجل نفيها بالكامل، أي أنه موقف يقوم على تعذيب الذات وتبرئة الغير.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٠٥