تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله قديم: تعني أن الإنسان قديم، له جذوره التاريخية وتراثه السابق وحياته الماضية من خلال الآباء والأجداد، ممتد في الزمان. ولكن في الواقع يصبح الإنسان مقطوع الصلة، مجتث الجذور، تابعا مقلدا. ولما كان الإنسان لا يتخلى عن صفة القديم كقيمة ومثل أعلى كما يبدو ذلك في الأمثال العامية، فإنه يؤله الصفة التي لم تتحقق. ولما كان يعيش مغتربا في العالم يخلق ذاتا مطلقة من ذاته، ثم يريد أن يصفها فيصفها بأعز ما لديه وهو القديم ويقول: «الله قديم». فإذا ما تغيرت الظروف وتحققت الأصالة في الوجود، واكتشف جذوره في التراث تتحقق صفة القدم في حياته. فإذا ما استرد ذاته وقضى على الاغتراب فإن الصفة تتحقق في الذات وتعود إليها. ويتم ذلك بفضل الوعي الذاتي للوعي التاريخي من خلال تجنيد الجماهير وحركتها فيه. (3)

الله باق: تعني أن الإنسان يود البقاء، وأن يظل في القلوب، حيا في ذكريات الناس، يريد أن يتجاوز الزمان، ويتغلب على الفناء، وأن يستمر في الوجود. ولكنه يعيش في ظرف يفرز فيه الفناء، ولا يبغي له البقاء، لأنه يتنكر لوجوده، ولا يعترف به. يضعه في السجون ويدعوه إلى الهجرة، ويحدد نسله، وعدم الإنسان بالنسبة له أفضل من وجوده. ولما كان الإنسان يعيش مغتربا في العالم قذف بنفسه خارج نفسه في ذات مشخصة يتعبدها، واحتاج إلى مخاطبتها ووصفها، فإنه يصفها بحلمه الذي لم يتحقق وهو البقاء، فيقول: «الله باق». فإذا ما تغيرت الظروف وأصبح في الدنيا خالدا، وبقي في أذهان الناس حيا في شعور الجماهير، واسترد ذاته بعد وعيه بالذات، فإن صفة البقاء تتحقق فيه بتحقق ذاته. ويتم ذلك في الوعي الفردي كإرهاص للوعي الاجتماعي. (4)

الله مخالف للحوادث: يعني أن الإنسان يود ألا يكون شبيها بالأشياء، وأن يكون فردا ليس كمثله شيء، متفردا، لا يتكرر. ولكن ظروف العصر تجعله يعيش في عالم الأرقام، كل فرد رقم، وتتكرر الأرقام، وتفقد الهويات، فأصبح الإنسان شبيها بالأشياء. ومع ذلك تظل الرغبة في التفرد لديه حلما لم يتحقق، وأمنية يصبو إليها، وهدفا أعلى يسعى إليه قدر الإمكان. ولما كان الإنسان مغتربا في العالم يعيش خارجه، آخذا من ذاته جوهرها ولبها ذاتا أخرى يشخصها، احتاج للحديث عنها ومناجاتها ووصفها وتعبدها، فلا يجد إلا حلمه الذي لم يتحقق ومثله الأعلى، فيقول : «الله مخالف للحوادث». فإذا ما تغيرت الظروف وتحقق مثله الأعلى بالفعل، فإنه يسترد وصفه ويحققه ويصبح فردا. وعندما يقضي على اغترابه ويسترد ذاته من خارج العالم إلى داخل نفسه، فإنه يصفها بوصفه وهي المخالفة للحوادث. وهذا يتم جهد الإنسان وفعله وبوعيه وإرادته حتى يستطيع بعد ذلك أن يعطي مثلا للآخرين، يلتفون حوله، ويتجندون باسمه، ويحذون حذوه. (5)

القيام بالنفس: ويعني أن الإنسان يود أن يكون قائما بنفسه، لا في محل، وإن كان يعيش في مكان، يستمد وجوده من ذاته، مستقلا عن المكان، لا يعتمد في وجوده على غيره. ولما كان الإنسان يعيش في عصره يجعله باستمرار في محل، في سجن أو دار أو شارع أو هيئة، فإنه يكون معتمدا في وجوده على غيره، ويكون له محل وسكن وعنوان وعقد إيجار. ولما كان الإنسان لا يستطيع أن يحقق حلمه، فإنه لا يتخلى عنه ويظل حلما يراوده ومثلا أعلى يصبو إليه. ولما كان الإنسان يعيش مغتربا عن العالم، يتعدى ذاته في غيره، في ذات مشخصة خارجة عنه، ويريد أن يصفها ويحادثها ويناجيها ويتعبدها تعويضا عن فقدان ذاته، فإنه يصفها بأعز ما لديه بحلمه المفقود وهو القيام بالنفس. فإذا ما تحقق الحلم وأصبح قائما بالنفس بالفعل، معتمدا في وجوده على ذاته، فإنه يسترد الوصف من غيره ويرجعه إلى نفسه. وفي نفس الوقت يقضي على اغترابه، ويسترد الوعي المطلق خارجه إلى داخل ذاته فيعي بذاته وبالعالم، ويصف ذاته بصفة الشرعية فيكون قائما بالنفس بالفعل ولا يطلق حكما لغويا على غيره. العبارة تعويض عن الشيء، والكلام بديل الوجود. وهذا لا يتحقق إلا بالوعي بالضروري أولا مبلورا للوعي الاجتماعي في حركة التاريخ. (6)

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٠٤