تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله مريد: وتعني أن الإنسان يريد ويبغي ويتوق، ويريد حرا بمحض إرادته. فالإرادة تعبير عن الذات وازدهار للوجود وتحقيق له. ولما كان الإنسان يعيش في عالم قهر وتسلط يمحو إرادته، ويردها إلى نفسه، فتظل حبيسة في داخله، مطلوبة بين جنباته، ويصبح الإنسان عاجزا عن فعل شيء، وجوده غير محقق، ورغباته غير مشبعة، وطاقاته حبيسة. ومع ذلك فإن الإنسان لا يتخلى عن مثله الأعلى، ولا يتنازل عن حرية إرادته فيتكتم عليها، ويحافظ على إمكاناتها فتتحول إلى موضوع متعال غير متحقق. ولما كان الإنسان مغتربا في العالم فيتحول وعيه بذاته، وعلى غير وعي منه، إلى وعي مطلق يرى فيه نفسه الضائعة ويثبت فيه وجوده المغترب، يعيش له وبه، يخلقه مع أنه خالقه، ويفنيه مع أنه باق عليه. ولما كان يريد محادثته ومناجاته، وسؤاله ودعاءه، ووصفه وتصوره، فإنه يصفه بمثله الأعلى المكتوم الحبيس، من كنوزه النفيسة الدفينة، إفراجا عنه واستعمالا لها وكنوع من التحقق اللغوي الكلامي لها فيقول: «الله مريد». فإذا ما تغيرت الظروف، وسقطت نظم القهر والتسلط، وانطلقت إرادة الإنسان الحرة من عقالها، وتحقق مثله الأعلى فأصبح مريدا فاعلا، يزدهر وجوده، وتتأكد حياته، وتنتشر ذاته، ويسترد وعيه المسلوب المشخص خارجا عنه المتحجر فوقه، ويصبح مريدا كما أصبح سامعا بصيرا متكلما. فيصبح الإنسان في نهاية المطاف عالما قادرا حيا، سميعا بصيرا، متكلما مريدا. ويصبح وعيه بذاته هو الوعي المطلق، متحققا في التاريخ، يسير على قدمين، ومحمولا على جسد، يهز العروش والتيجان، ويسقط أنظمة الجهل والعجز والموت، ويقضي على نظم الكبت والتسلط والسيطرة. ولما كانت الظروف لا تتغير إلا بتفاعل الوعي الفردي مع الوعي التاريخي فإن تحرر الوعي الفردي أولا يحرك حتمية التاريخ، ويرجع الشعوب إلى مسارها الطبيعي حتى تأخذ مصيرها بيدها فتكتب التاريخ وتسطر حروفه.

إذن عبارات: الله أعلم، الله قادر، الله حي، الله سميع، الله بصير، الله متكلم، الله مريد، إنما تعكس مجتمعا جاهلا عاجزا ميتا، لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، مسلوب الإرادة. وبالتالي يكشف الفكر الديني الذي يجعل الله موضوعا في قضايا من هذا النوع عن الظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيشها المجتمع الذي تطلق فيه أمثال هذه القضايا. فالله كموضوع في قضية خير مشجب لأماني البشر، وأصقل مرآة تعكس أحلامهم وإحباطاتهم. علم الكلام إذن تعبير عن عجز الأفراد والشعوب عن أخذ مصائرها بيديها والدفاع عن حقوقها بأنفسها، حقوقها في العلم والإرادة والحياة، وحقوقها في السمع والبصر والكلام والإرادة، وتعبير عن أوضاع الجهل والعجز والموت والصمم والعمى والبكم والهوى. علم الكلام يكشف إذن عن وضعين، وضع قائم ووضع قادم، إقرار بواقع، رؤية مستقبلية. علم الكلام خير كاشف عن وجود الإنسان بين الحقيقة والوهم، بين الواقع والأسطورة، وخير معبر عن الإنسان في تجاربه في الحياة، النجاح والفشل، اليأس والأمل، النصر والهزيمة، التقدم والتخلف، النهضة والانهيار.

ويمكن تحليل أوصاف الذات الست بنفس الطريقة عندما نقول: الله موجود، الله قديم باق، الله مخالف للحوادث، الله قائم بالنفس ليس في محل، الله واحد.

62

فقضايا الذات إنما نشأت وتكونت بنفس المنطق الشعوري التي نشأت به وتكونت قضايا الصفات، وخضعت لنفس العمليات الشعورية التي تكمن وراء تكوين القضايا، فمثلا: (1)

الله موجود: تعني أن الإنسان موجود ولكن وجوده ضائع. ومع ذلك فإنه لا يتخلى عن وجوده كمثل أعلى. وإذا أراد وصف وجوده المشخص خارجا عنه نظرا لاغترابه في العالم فإنه يصفه بأعز ما لديه فيقول الله موجود. فإذا ما تغيرت الظروف ويكون موجودا بالفعل فإن مثله الأعلى يتحقق ويصبح موجودا. عندما يقضي على اغترابه يصبح موجودا في العالم وليس خارج العالم، موجودا حقيقة لا وهما، واقعا لا خيالا، حسا لا افتراضا. يسترد الإنسان وصفه الأول وهو الموجود ويصبح الإنسان موجودا ولا يشعر الإنسان حينئذ بحاجة إلى استنباط وجود الله من الفكر إذا ما وجد الإنسان بالفعل. ولا تتغير الظروف إلا بوجوده كفرد وبوجود الجماهير كجماعة. بالتالي تتحقق حرية الفرد في حتمية التاريخ. (2)

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٠٣