تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله بصير : وتعني نشأة وتكوينا أن الإنسان يود أن يكون بصيرا، ويريد المحافظة على بصره ورؤيته للعالم. والبصر إدراك، والإدراك وعي بما يحيط به وفهم له. البصر شهادة على الواقع، ورؤية لأحداث العصر وإدراك لها. ولكن يحدث أحيانا أن يكون الإنسان غير مبصر، لا يسمح له بالشهادة، ويمنع من الرؤية. فيسير مغمض العينين كما سار من قبل مطرق الأذنين، شاهدا لا يرى شيئا. حماية للنفس، وإيثارا للسلامة، وبغية للنجاة، حفاظا على لقمة العيش وتربية الأولاد. ومع ذلك فإنه لا يستطيع أن يتخلى عن نموذجه ومثله الأعلى في الشعور الرائي والذات المبصر. وتظل الشهادة مكتومة في صدره، وهو أضعف الإيمان، وتظل النظرة مقلوبة إلى الداخل. محفوظة في الذاكرة، تنتظر وقت الإعلان كما تنتظر وقت الحساب. ولما كانت الذات مغتربة عن العالم. مقطوعة نصفين، نصف ميت يتحرك عليه في صورة جسد، ونصف حتى يعشقه يطلقه ويثبته وينظر إليه بعيدا عن العالم وخارجا عن محيطه، غطاء لكل شيء وستارا عليه، ولما أراد أن يناجيه ويحادثه ويجعله طرفا محاورا بعد أن عز المحاورون فلا يجد أمامه إلا أن يصف أغلى ما لديه بأعز ما لديه، أن يصف ذاته بمخزونه النفسي من الشهادة فيقول «الله بصير». فإذا ما تغيرت الظروف، وأصبحت الرؤية ممكنة، والشهادة واجبة، رأى بعد أن سمع، وفتحت العينان كما تطرقت الآذان، وشهد على عصره، وأصبح شاهدا عليه وربما شهيدا له. وبالتالي يسترد صفاته إلى ذاته بعد نسبها إلى وعيه المطلق خارجا عنه. وفي نفس الوقت يسترد ذاته المغترب، ويعود به إلى العالم، ويحقق الوحدة في شخصه، وتصبح ذاته واعية فردية تتصف بصفات العلم والقدرة والحياة كما تتصف بصفات السمع والبصر. والذي يغير الظروف هو هذا الوعي ذاته بأن يصبح بؤرة للوعي التاريخي المتمثل في حركة الجماهير وقدرته على الاتحاد به ومعرفة مساره ومراحله. فهو وعي حر ومستقل يستطيع أن يستل نفسه من إطار الحتمية التاريخية، وباجتماع الحرية والضرورة يتحرك التاريخ. (6)

الله متكلم: وتعني أن الإنسان يود أن يكون متكلما، يحافظ على كلماته، ويحرص على النطق بها. فكما يسمع ويبصر فإنه يتكلم. النطق تعبير عن الوعي وإبلاغ لمضمون الإدراك، وإيصال له للآخرين. ولكل الإنسان في عالم يكتنفه الصمت، ويعمه الخرس، يضع كل إنسان فيه يديه على أذنيه وعلى عينيه وفوق شفتيه وشعاره: «لا أسمع، لا أبصر، لا أتكلم»، أو «ممنوع من السفر، ممنوع من الكلام»، مسلوب الحرية، حرية التعبير وحرية القول. وإن تكلم فإنه يحدث نفسه أو يهمس في آذان الأصدقاء ويسر إلى الجيران أو ينطلق الحديث في حجرات النوم أو كتابة في دورات المياه خوفا من العيون والآذان. فإذا ما تحدث علنا فإنه لا يتحدث إلا نفاقا وتملقا دون قول كلمة أو صدى. ومع ذلك لا يستطيع أن يتخلى عن الكلام كمثل أعلى وكرغبة دفينة يتمناها، وهدف أسمى يسعى إليه ليكون صادقا مع النفس، مطلقا لطاقاته، ممارسا لحرية القول. يظل الكلام حبيسا في الصدر، كلاما ضامرا يتحدث به إلى نفسه، فهو المتكلم والسامع، المبلغ والمبلغ إليه، الرسول والمرسل إليه. ولما كان الوعي بالذات قد قذفه الإنسان خارجا عنه وشخصه في الكون عاش غريبا في العالم بلا وعي بالذات أو بالعالم، عاش متأملا لذاته خارجها دون إدراك أو وعي لأي مضمون لها. ولما أراد الحديث مع نفسه ومناجاة وعيه المشخص خارجا عنه فإنه يصفه ويتصوره بأغلى ما لديه، بمثله الأعلى المكتوم في الصدر وهو الكلام فيقول: «الله متكلم». فإذا ما تغيرت الظروف، وقضى على الاغتراب، واسترد الإنسان وعيه بذاته، وحقق الوحدة في داخله، يتحول الوعي المطلق بالذات إلى وعي بالذات وبالعالم، ويسترد الوعي بالذات صفته المسلوبة المعارة إلى الآخر ويصبح متكلما. فيفتح الإنسان فمه، وتحل عقدة لسانه، ويتفوه بالكلام وبعيون الكلام. يجهر بالصوت، يسمعه القاصي والداني، يتوجه بالنداء، ويصبح هو المتكلم. يتحقق مثله الأعلى في محيطه، يسمع صوته وينتبه الناس. والذي يغير الظروف هو مقدار الوعي بالذات، والقدرة على قيادة أمة، وتجنيد الجماهير، وأن يتقابل الوعي الفردي بالوعي التاريخي حتى تتحدد حرية الوعي بحتمية التاريخ. (7)

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٠٢