تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله حي: وتعني أن الإنسان يريد أن يكون حيا وأن يحافظ على حياته لأنه يتنفس ويشعر. فالحياة الكاملة مثله الأعلى، وهدفه الأسمى، وغايته القصوى. وما أكثر ما قرأ عن الحياة ورأى فنا يعظم الحياة، وما أكثر ما ينفعل لشعار «الفن للحياة» أو «الحياة للحياة». ولكن الإنسان ميت بالفعل، لا غذاء ولا كساء ولا مأوى. لا يتنفس إلا التراب، ولا يتحرك إلا بحساب، ولا يشعر بشيء أو يشعر ويخفي شعوره. ولدى أدبائنا الشبان تظهر تجارب الموت والغم والقرف والعدم والضياع. ويقارن الإنسان شعبه الميت بالشعوب المجاورة الحية فيحزن ويغتم ويزداد موتا على موت. بل كثيرا ما يتمنى الموت وهناء القبر، فالموت سكون وهدوء وطمأنينة، حتى أصبحت الحضارة كلها حضارة الموت لا ترى الحياة إلا بعد الموت. ومع ذلك لا يريد الإنسان أن يتخلى عن الحياة كمثل أعلى لم يتحقق، ويظل محافظا عليه فيتجسد ويتحجر ويتجمد ويتحول إلى حياة وكفن، إلى كنز دفين يحرص عليه، يحزن على ضياعه، ويتغنى بلحظاته. ولما كان الإنسان ذاتا مغتربا في العالم، لا وجود له ولا بقاء، فإنه يقتطع من ذاته ذاتا أخرى يضع فيها وعيه بالذات ويجد فيها بديلا عن العالم الضائع، وطرفا آخر للحوار بعد غياب كل الآخرين، ويقذف بها خارج العالم، فتصبح الذات المطلق بفعل حركتها الخاوية، من الذات إلى الذات، فارغا من غير مضمون، موضوعا للتأليه، وكيانا للإجلال والتعظيم. فإذا ما أراد الإنسان أن يتكلم ويعبر فإنه يصف هذا الذات ويناجيه ويتصل به ويتعبده ويسأله ليجيب، ويدعوه ليستجيب، فلا يجد في جعبته إلا صفاته وكنزه الثمين، الحياة المحفوظة، فيصف الذات بأنه حي، يصف أغلى ما لديه بأعز ما لديه، يصف نفسه بنفسه، ويضع محموله على موضوعه، وخبره على مبتدئه ويقول: «الله حي». فإذا ما تغيرت الظروف، وعاد إلى الحياة، وحافظ عليها، وتمتع بها، وعشقها، وأصبح حيا، ونزع عنه الكفن، وزاح عنه رداء الموت، تتحقق الحياة بالفعل، ولا تعود مثلا أعلى، تمنيا وحلما. وفي نفس الوقت يسترد ذاته المغترب ويعي ذاته الفرد، فالشعور مستقل عن واقعه وإن كان فيه. الوعي الفردي قوامه الحرية وإن كتمت وأخمدت. وفي هذه الحالة لا يحتاج الإنسان إلى وصفها بل يحققها بالفعل. والذي يقضي على الاغتراب ويحول الإنسان من الكلام إلى الفعل، من العبارة إلى الشيء، من المفهوم إلى الماصدق، من إطلاق الوصف إلى تحققه في الموصوف هي قدرة الذات الواعي على تجنيد الجماهير، وتغيير الواقع، والإصرار على الحياة، ورفض الموت والخنوع. (4)

الله سميع: وتعني أن الإنسان يود أن يسمع وأن يدرك ما حوله وأن يعي ما يسمع. يسمع القول، ويدرك الصوت، ويحدث له بعد السمع الإدراك وبعد الحس الفهم. ولكنه أحيانا لا يسمع ولا يدرك أو يسمع ويمنع نفسه من الإدراك أو يدرك ويجعل نفسه غير فاهم إيثارا للسلامة وأملا في النجاة. ومع ذلك يظل الوعي المدرك من خلال السمع مثلا أعلى له. ويظل كل من سمع القول ويدركه بالنسبة له أملا لا يتخلى عنه أو حلما يراوده بالرغم من استحالة ذلك في الواقع. ولما كان الإنسان يعيش مغتربا في العالم، وعيه بالذات مشخص خارجا عنه ومجسدا فيه، فإن الشوق ينازعه إليه، والحنين يتجه نحوه، وتظهر ضرورة المناجاة، فإذا ما أراد وصفه والحديث إليه ومناجاته والابتهال إليه لحاقا بالوحدة بين الذات المسلوبة والذات المشخصة، بين الذات الفارغة في الداخل والذات الحسية في الخارج، فإنه يصف أغلى ما لديه بأعز ما لديه، يصف ذاته المسلوبة بحلمه المجهض ويقول: «الله سميع» مبالغة في وصف السمع. فإذا ما تغيرت الظروف وأصبح الإنسان يسمع الأشياء ويدرك ما حوله، يثيره القول، وتهزه الكلمة، يتحقق الهدف من السمع ويصبح سامعا ومدركا. وفي نفس الوقت يسترد ذاته المغتربة، يرد إلى جسده قلبه المنزوع منه، ويعيد إلى بدنه رأسه المفصول عنه. يعي ذاته، ويتحول الوعي بالذات إلى وعي بالعالم، ويصبح سامعا. حينئذ لا يقول: «الله سميع». فتحقق الشيء يمنع من المبالغة والنطق به، وكأن الكلام غياب للشيء، والنطق به تعويض عن غيابه. ولما كانت الظروف لا تتغير إلا بفعل الجماهير، وبقيادة طليعتها الواعية، كانت حرية الوعي الفردي نقطة البداية لتحويل الوعي بالذات إلى وعي بالتاريخ. (5)

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٠١