تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60 (4-1) القضايا الموجبة

في القضايا الموجبة يقوم الشعور بعدة عمليات متتالية. أولا إثبات المثل العليا الإنسانية كلها ووضعها في عبارة. ثانيا: خلق الذات المشخص كمشجب تعلق عليها هذه المثل كأعز ما لدى الإنسان ومخلوق منه. ثالثا: تعليق الصفات على هذا المشجب أو إسقاطها على الذات فتصبح صفات لها. هذه هي العمليات أو الخطوات الثلاث الرئيسية وراء تكوين القضايا. وهناك عمليات أخرى تفصيلية تحدث في الشعور وعلاقته بالأوضاع النفسية الاجتماعية تظهر أيضا في تكوين القضايا، كل على حدة على النحو الآتي: (1)

الله عالم: تعني أن الإنسان يود أن يكون عالما، فالعلم أحد المثل الإنسانية، ومن منا لا يود أن يكون عالما ويريد أن يكون جاهلا؟ ولما كان الإنسان لا يستطيع تحقيق هذا الهدف وهو العلم في حياته نظرا لأنه جاهل أو نصف متعلم فإنه لا يستطيع أن يكون عالما على الإطلاق. ومع ذلك لا يتخلى الإنسان عن الرغبة في العلم كمثل أعلى مطلق أو كفاية قصوى أو كهدف أسمى فيثبته نظرا كموضوع مثالي أي أنه يتحقق تحققا صوريا فارغا من غير مضمون، فيصبح العلم ذاتا وموضوعا في آن واحد، هدفا مشخصا. وفي هذا النوع نحو الغاية تتشخص ذات الإنسان وتتحجر وتثبت لغياب حركة التحقق منها حتى تتضخم وتصبح ذاتا مطلقا في تحول الوعي بالذات إلى وعي مطلق. وفي حالة وصف هذا الذات المشخص، وهو الذات المثالية المتعالية، فإن الإنسان لا يجد أمامه إلا الأهداف السامية والغاية القصوى التي تشخصت من قبل فيصفها بها، يصف أغلى ما لديه بأعز ما لديه، يصف ذاته بمثله، ونفسه بغاياته. وسرعان ما تجد الصفات مشجبا لها في الذات. ومن ثم يقول الإنسان: الله عالم. فمعنى الله عالم لا يأتي من تحليل اللغة والانتقال من اللفظ إلى المعنى إلى الأمام بل من تحليل الشعور والانتقال من المعنى إلى اللفظ إلى الوراء. فدلالة القضية فيما قبل تكوينها وليس بعد التكوين. فالله هو الوعي بالذات، والعلم مثله الأعلى. ولكن الظروف الاجتماعية التي يعيشها الإنسان تجعل الوعي بالذات مغتربا، والمثل الأعلى لا يتحقق فيتشخص كلاهما ويتأله بعيدا عن الذات وخارج العالم فيؤله الإنسان ذاته المغتربة ويقدس صفاته ومثله التي لم تتحقق، ويصفها بأعز أمانيه حرصا عليها وتمسكا بذكراها حنينا إليها ومناجاة لها. فإذا ما تغيرت الظروف، واسترد الإنسان وعيه بذاته وقضى على اغترابه وحقق مثله الأعلى في العلم فإنه يكون متعلما لا جاهلا ويقضي على الأمية في حياته وحياة أمته وهي ليست فقط الجهل بالقراءة والكتابة بل أيضا الأمية الثقافية والحضارية والمدنية. حينئذ لا يطلق عبارة «الله عالم»، بل يقول «أنا عالم» ومجتمعي مجتمع علم، وحياتي يسودها العلم، وتقوم على أساس العلم. ولما كانت هذه الظروف لا تتغير من تلقاء نفسها بل بفعل الأفراد والجماعات، بحركة الطلائع وثورة الجماهير، فإن العبارات والقضايا والأحكام عن «الله» تكون مشروطة بمدى إحداث هذا التعبير. فالأولوية هنا للتوحيد العملي على التوحيد النظري.

61 (2)

الله قادر: وتعني أن الإنسان يود أن يكون قادرا، فالقدرة مثله الأعلى، وهدفه الأسمى، وغايته القصوى. ولكنه لا يستطيع نظرا للموانع العديدة والظروف الاجتماعية التي يعيشها والمواقف التي يجد نفسه فيها، فالقدرة لها حدود من طبيعتها أو خارجها. ومع ذلك فالإنسان لا يتخلى عن القدرة كهدف أعلى وكامل بعيد، فيتحول الهدف إلى حلم، والغاية إلى ثمن. ولما كان الإنسان يعيش مغتربا في العالم فإنه يقتطع جزءا من وعيه بالذات ويجعله وعيا مطلقا في حركة فارغة نحو الإمام المسدود، أي نحو الأعلى المفتوح، وعيا فارغا من الوعي، وعيا خارجيا مطلقا يغرق الإنسان والعالم فيه. ولما أراد الإنسان الحديث عن هذا الوعي المطلق ووصفه ومناجاته، فإنه لم يجد في جعبته إلا مثله العليا. فوصف أعز ما لديه بأغلى ما لديه، وقدم للضيف العزيز أفضل ما لديه من باقات الزهور وأطباق الطعام، فوصف نفسه بنفسه، وتحدث عن وعيه بصفاته وقال: «الله قادر». فإذا ما تغيرت الظروف وأصبح الإنسان قادرا بالفعل على تحقيق مثله الأعلى وقضى على ظروف العجز وموانع القدرة فإن القدرة تصبح واقعا ملموسا، عيانيا مشاهدا، وتتوقف عن أن تكون حلما. وفي نفس الوقت يسترد الإنسان ذاته المغترب، ويعود الوعي المطلق من خارج العالم إلى وعي بالذات داخل العالم. وبعد أن كان الوعي منغلقا على نفسه يغوص في عواطف الإجلال والتعظيم والتأليه فإنه يصبح وعيا بالذات ووعيا بالعلم ووعيا بالآخرين. ومن ثم لا يحتاج الإنسان إلى وصفه لأنه مشاهد بالعيان، تجربة حية مباشرة. ولكن الذي يغير ظروف العجز إلى ظروف القدرة هي الذات نفسها في حركتها الواعية وقدرتها على فك هذا الحصار، ابتداء من نقاء الطلائع وتجنيد الجماهير، ومن ثم يصبح المجتمع كله قادرا وبالتالي لا يقولن أحد «الله قادر». (3)

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ٢٠٠