تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد عرف القدماء هذين النوعين من العبارات أو القضايا فيما يسمى بطريق التشبيه وطريق التنزيه. يثبت الطريق الأول لله صفات الكمال وينفي الطريق الثاني عن الله صفات النقص. الآيات الأولى آيات الإثبات، والآيات الثانية آيات السلوب. وظلت التمرينات العقلية مستمرة على هذا النحو في صياغة العبارات بهاتين العاطفتين، عاطفة إثبات الكمال وعاطفة نفي النقص. وقد جمعتهما الآية البليغة:

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير . فالأولى سلبية والثانية إيجابية، الأولى نافية والثانية مثبتة. ولما كان السلب أولا كان أساس الإيجاب وسابقا عليه، فالشعور يبدأ نافيا وينتهي واضعا كما هو الحال في الشهادتين «لا إله إلا الله». العبارة الأولى «لا إله» نافية، والثانية «إلا الله» مثبتة. لقد أوجزت هذه الآية المشهورة طريقي السلب والإيجاب على ما هو معروف في تاريخ الفكر الديني. ف

ليس كمثله شيء

تعبير عن التنزيه الذي هو في الحقيقة رغبة في التعظيم والإجلال في صياغة عقلية، وهو أيضا معنى التعالي. كل صياغة للمؤله فإنه يند عنها لأنه أعلى وأعظم وأجل من أية صياغة بشرية. وهذا الطريق السلبي هو الأسلم عادة تجنبا لكل تشبيه أو تجسيم، وهو في الحقيقة نفي لجميع الصفات الحسية التي يرمز إليها الشيء. وهي الصفات التي يعتبرها الشعور نقصا وعيبا، ولا تليق للتعبير عن العظمة والجلالة استقاها الإنسان من العالم ونفاها عن المؤله.

58

والجزء الثاني

وهو السميع البصير

يشير إلى الطريق الإيجابي في إثبات الصفات، وهي مجموع المثل الإنسانية التي عجز الإنسان عن تحقيقها، فأسقطها إلى أعلى على المؤله وتأملها إعجابا ثم عبدها وقدسها تشخيصا. فالصفات كلها سواء كانت إيجابية أو سلبية، صفات نفس أو صفات فعل هي إسقاطات من الشعور تدل على موقف الذات أو موقف الجماعة. فالولاية والعداوة تدلان على موقف إنساني خالص يتحدد فيه الشعور بعاطفتي المحبة والكراهية أو يتحدد فيه الشعور الجماعي بالنسبة للجماعات الأخرى فيقسمها إلى جماعة مؤمنة وأخرى كافرة أو إلى دار إسلام ودار حرب. ثم يسقط هذا البناء النفسي كله على المؤله المشخص. وغالبا ما يكون ذلك لمصلحة الفرد أو الجماعة. فالمؤله المشخص يواليها ويعادي سواها. يخلق الإنسان جزءا من ذاته، ويؤلهه، أي أنه يخلق المؤله على صورته ومثاله. فهو يؤله أحلامه ورغباته ثم يشخصها ويعبدها. فالمعبود دليل على العجز، والمقدس قرينة على عدم القدرة. القادر لا يعبد ولا يقدس، بل يعمل ويحقق خططه وأهدافه. فإن عجز تسربت طاقته بتحقيق ذاتي خالص، فيتصور خططه وأهدافه وأمانيه وقد تحققت بالفعل. والتحقق بالفعل في نطاق الذات وبالخيال هو التشخيص. فتتحول العبادة إلى معبود، والفعل إلى مفعول، وتنشأ الذات التي تستقبل بعد ذلك بسهولة عديدا من الصفات، وتكون مشجبا يسهل عليه تعليق باقي الأماني الإنسانية التي لم تتحقق. وتصبح الذات الإلهية صورة للإنسان الكامل. قد يكون التعبير من الصوفية ولكنه في الحقيقة يصدق أيضا على ما انتهى إليه القدماء في التوحيد. فإن اختيار باقة من الصفات المطلقة ووضعها معا في صورة معبود تشير إلى أن الإنسان إنما يؤله نفسه بعد أن دفع نفسه إلى حد الإطلاق. فالذات الإلهية هي الذات الإنسانية في أكمل صورها.

59

والسؤال الآن: هل نشأت صفات الكمال من قلب النقص أو نشأت صفات النقص من وجود الكمال بالعقل الإنساني كبناء له؟ بصرف النظر عن علاقة العلة بالمعلول أو التحليل النفسي لنشأة الأفكار، فإنه سواء في إثبات الصفات أو في نفيها يقوم الشعور بعدة عمليات ابتداء من الواقع الحسي إلى تكوين القضايا. فالمعنى هنا يعني وصف عمليات الشعور، وكيف تتكون القضية. فلا يوجد معنى مستقل عن كيفية التكوين. منطق القضايا منطق تكويني وليس منطقا صوريا.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٩٩