تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

ولكن علم الكلام بعد تغييره لاتجاه الوحي وقلبه له من الإنسان إلى الله غير موضوع الوحي أيضا، فبدل أن كان موضوع الوحي هو الإنسان صار موضوعه هو الله، أي أن عالم الكلام أرجع إلى الله كلامه فجعل الله غاية الكلام وموضوعه، وهذا مضاد لقصد الله وعلمه. فقصد الله هو الإنسان، وموضوع علمه هو الإنسان، في حين أن عالم الكلام جعل قصد الله هو الله وعلم الله هو الله. بعد أن أعطى الله الوحي إلى الإنسان رده عالم الكلام إلى الله. عالم الكلام هنا جاحد بنعمة الله ومضر بمصلحة الإنسان. جعل الله نرجسيا لا يرى إلا ذاته، وجعلها ذاتا فارغا بلا موضوع آخر غيره.

هذا هو معنى أن علم الكلام علم مقلوب. فالوحي مركزه الإنسان من حيث إنه قصد الله وموضوع علمه، في حين أن علم الكلام جعل الله مركز الوحي وموضوع علمه. علم الكلام إذن علم مقلوب، رأسه إلى أسفل وقدماه إلى أعلى. فبدلا من أن يتطابق مع قصد الله وموضوع كلامه ووحيه وعلمه ويتجه نحو الإنسان، عارض هذا المقصد والكلام والوحي والعلم واتجه نحو الله بحركة عكسية مضادة. وباستعمال صورة مجازية إذا كان الوحي مقصدا «نازلا» نحو الإنسان، فإن علم الكلام قد قلب الوضع وجعله مقصدا «صاعدا» نحو الله. وعلى هذا النحو يأخذ تحريم الفقهاء له معنى جديدا، ويعطي له أساس فلسفي، ويتم الكشف عن سبب التحريم وعلته.

13

وهذا هو معنى أن الوحي «أنثروبولوجيا» وليس «ثيولوجيا»، أي أنه علم إنسان وليس علم إله. ولا تعني الأنتروبولوجيا أو علم الإنسان هذا العلم المعروف بهذا الاسم في عصرنا هذا في حضارة مجاورة غازية، دراسة لنشأة الإنسان «البدائي» وتطوره من الناحيتين البدنية والنفسية والاجتماعية والسياسية والقانونية واللغوية والحضارية ... إلخ، بل دراسة بنائية فلسفية من حيث هو إنسان وتحليل أبعاده ووصف وجوده. الإنسان عالم بأكمله. بل إن ما يحدث في العالم الخارجي لا يمكن فهمه أو ضبطه أو التعبير عنه إلا من خلال الإنسان. ليس الإنسان عالما صغيرا أمام عالم كبير، بل هو العالم ذاته صغيرا وكبيرا.

14 (2-2) من الكلام إلى الشخص

ولا يتمثل هذا القلب فقط في تغيير المقصد والموضوع من الإنسان إلى الله، بل يظهر أيضا في تغيي ر الوحي من الكلام إلى الشخص. أعطى لنا الوحي كلاما، والكلام حين يكون موضوعا لا يتعدى نطاق اللغة وتحليلها. والمقصود بالكلام هو فهمه وتحويل معانيه إلى توجيهات للسلوك من أجل تغيير الواقع وجعله مطابقا للكلام في بنائه. وإن أهم ما يميز الوحي في آخر مراحل تطوره هو أن الكلام أصبح هو التعبير الوحيد عن «الله». عبر الله عن ذاته في الوحي، أي في كلامه، وأعلن عن وجوده وصفاته وخلقه في الوحي. وإذا كان قد ظهر في مظاهر مادية، صوتا لإبراهيم، ونارا لموسى، وروحا أو كلمة لعيسى، فإنه لم يظهر في آخر مرحلة من تطور الوحي إلا من خلال الكلام. وإذا كان قد تدخل بشخصه تدخلا مباشرا في سير العالم، طوفان نوح، شق البحر، رفع عيسى، فإن هذا التدخل المشخص المباشر قد انتهى. وفي آخر مرحلة من مراحل الوحي لم يعد له وجود مادي أو فعل محسوس بل أصبح كلاما. تأسيس الوحي، وهو الكلام باعتباره علما محكما هو الوضع الصحيح للكلام. وأن تسمية علم الكلام لتصدق بالفعل على هذا العلم لأن موضوعه هو الكلام. وهذا هو معنى ما يقال عادة من أن الوحي في آخر مراحله أصبح وحي كلام لا وحي شخص. ليس الكلام جسدا أو طبيعة أو كونا بل كلام لغوي، معان وألفاظ، دلالات وعبارات.

15

ولكن علم الكلام قلب الوحي من الكلام إلى الشخص، وجعل الكلام وصفا لشخص المتكلم وهو الله. وبدلا من أن يوجه الكلام إلى تغيير الواقع وتطويره، فإنه يقلبه إلى أعلى تثبيتا وتأكيدا وبرهانا على شخص المرسل. قام علم الكلام إذن بعملية نفسية خطيرة وهو «التشخيص» في الحديث عن الكلام باعتباره شخصا وليس كلاما يدرس دراسة علمية من حيث الصوت أو الحرف أو اللفظ أو المعنى أو الرمز كما هو الحال في العلوم الإنسانية. حول علم الكلام إلى شخص، وتحدث عن «الله» وكأنه يتحدث عن شخص له كل صفات الشخص المادية كالبدن واليدين والرجلين والعينين أو المعنوية مثل العلم والقدرة والإرادة ... إلخ. بدلا من أن يكون الشخص صفة للكلام أصبح الكلام صفة للشخص. بدلا من أن يكون الكلام هو الأصل والشخص هو الفرع أصبح الشخص هو الأصل والكلام هو الفرع. بدلا من أن يكون الكلام هو موضوع العلم والشخص خارج عن نطاق العلم أصبح الشخص هو موضوع العلم الأول والكلام خارج نطاق العلم إلا من حيث كونه صفة للشخص. ثم يدخل الشخص في نطاق المقدس ويصبح وصفه تابعا لأسمى عواطف التعظيم والإجلال، ويكون كل تشابه بينه وبين الإنسان ضربا من التطاول ونقصانا في الاعتراف بالفضل وبالجميل، وتصبح مهمة الشهور هو التأليه المستمر لهذا الشخص والتعبير عن هذا التأليه بأسمى عبارات التقدير والإعجاب. ويتحول العلم إلى دين، والعقل إلى انفعال، والموضوع المدرك إلى ذاتية فارغة.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٨٨