وبالرغم من ظهور عملية التشخيص ثم التأليه هذه على أوضح ما تكون في العلوم التقليدية الأخرى كالتصوف والحكمة باستثناء الأصول الذي عاد إلى العالم واصفا الإنسان فيه،
16
إلا أن هذه العملية قد سادت علم الكلام من أوله إلى آخره حتى طبعته بطابعها وأعطته اسمها، فأصبح «علم التوحيد» أو «علم أصول الدين» في أصله الأول هو الشخص المؤله، حتى إن المسائل الإنسانية أو الطبيعية الخالصة في علم الكلام أصبحت أيضا قائمة على تدخل الشخص المؤله كطرف فيها دون العالم. صحيح أن الوحي تحدث عن الذات الإلهية وصفاتها ولكن هذا الحديث هو كلام وليس ذاتا أو شخصا. وقد عرفنا الذات من خلال الكلام وقد تم التعبير عنه بالحديث والصياغة. وكل ما نعلمه عن الذات هو كلام وصياغات. إن صفات الله وأفعاله هي مجرد أقوال.
17
ونحن لا نعلم أفعاله إلا عن طريق الأقوال من الوحي. الله ذاته لا يعرف إلا من خلال الوحي، والوحي كلام، أي أننا لا نعرف الله إلا من خلال العبارة، ولا نفهمه إلا من خلال فهمنا للعبارة.
والوحي من حيث هو كلام مكتوب بلغة البشر. ولا يهمنا الكاتب لأن الشخص خارج نطاق السؤال. لا يوجد أمامنا إلا الكلام. والكلام مكتوب بلغة معينة تطبق عليه قواعد هذه اللغة لفهمه. بل يتم التعبير عن الكلام أحيانا بالصورة الفنية، أي بتشبيه إنساني خالص. فإذا ما تحدث عالم الكلام بالوحي فإن حديثه يكون كلاما من الدرجة الثانية، أي كلاما بكلام أو كلاما عن كلام. كلامه إدراك لكلام الوحي وفهمه وتفسيره . وكل ما يقوله عالم الكلام يصبح قولا من خلال إدراكاته وتصوراته. ولا وسيلة أمامه للخروج من عالمه إلى العالم الخارجي أو افتراض أي تطابق بينهما. كلام عالم الكلام مجرد تعبيرات إنسانية وعبارات وأقوال من صنعه يحددها مزاجه وشخصه وتربيته وثقافته وبيئته ومستواه الحضاري ولحظته التاريخية، بل وأهواؤه وانفعالاته ومصالحه وولاءاته، بل وقبيلته وجنسه وعنصره. ولا يكون له أي معنى إلا بالرجوع إلى مصدره. فهو لا يشير إلى موضوعات خارجية، بل يعبر عن مقاصد موجهة من ذات المتكلم. يكشف الكلام عن ذات المتكلم أكثر مما يشير إلى شيء موجود بالفعل. وهنا يقع التناقض والاستحالة. كيف يمكن التعبير عن المجرد الصوري الذي ليس كمثله شيء بلغة في نشأتها اتفاق تعتمد على الصورة الحسية وتقوم على التشبيهات؟ علم الكلام على هذا النحو ادعاء لأنه يظن أنه يصف شيئا موجودا بالفعل في حين أنه يعبر عن مقاصد شعورية خالصة. وعلم الكلام بهذا المعنى أيضا يقوم على الغرور أو الجهل فيما يتعلق بالقدرة الإنسانية على التصور والحكم. فإذا كانت الذات المشخصة المؤلهة في عالم الإطلاق، فكيف بقدرة الإنسان المحددة بتربيته ومزاجه وثقافته وبيئته وأهوائه إصدار حكم عليها؟ كيف يمكن للنسبي إصدار حكم على المطلق؟
وإذا كان كل ما نعرفه من الله هي أقوال، سواء من الوحي أو من فهمنا إياه أو من وصفنا له كما يفعل المتكلم وكما تقتضي بذلك خبراتنا الشخصية ولغتنا الإنسانية، لم يعد هناك فرق بين السمع والعقل؛ لأن الأقوال التي تصدر من أحدهما أو كليهما تعبر عن شيء واحد بلغة إنسانية واحدة. فقبل أن يأتي السمع كان الناس يتحدثون عن الله ويعطونه نفس الصفات مع اختلاف في العدد أو في الدرجة أو في الصورة الذهنية ودرجتها من الحسية أو التجريد. وقد تحدث الناس أيضا بعد السمع. هناك مواقف اجتماعية هي التي تحدد نوع الحديث ودقته، وهي مواقف موجودة قبل السمع وبعده. وبالتالي ردا على سؤال القدماء: هل يجوز تسمية الله بصفاته قبل أن يأتي السمع بالعقل؟ نقول أن الحديث عن الله سابق على السمع وتال له. وما السمع إلا أحد الأحاديث عن الله.
18
وتخصيص السمع بالحديث عن الله تخصيص بلا مبرر.