10 (2) العمليات الشعورية
إن ما وصفه القدماء على أنه «الذات والصفات والأفعال» هو في حقيقة الأمر «الإنسان الكامل». فكل المادة التي وضعها القدماء تحت هذا الاسم لا تشير إلى موضوع فعلي، بل تعبر عن موقف إنساني خالص تجاه موضوع مثالي. فما ظنه القدماء على أنه وصف موضوعي لحقيقة واقعة في الخارج هو في الحقيقة وصف ذاتي لشعور المتكلم أسقطه في الخارج ثم قفز من الشعور إلى العالم الخارجي بلا أدنى مبرر عقلي إلا عجزه عن تحقيق هذا الموضوع المثالي بالفعل كمشروع له في العالم الخارجي كنظام مثالي للعالم. وفي أحسن الأحوال يتم هذا الإسقاط بتحيز مسبق يفترض تطابق عالم الشعور والعالم الخارجي. وهو ناتج عن نقص في الوعي بالمسافة بين المثال والواقع، بين الوعي بالذات والوعي بالعالم. وفي أسوأ الأحوال يتم بلا وعي على الإطلاق وبالإغراق في عالم الشعور الخالص بعد أن فرغ من كل الموضوعات وامتلأ بالعواطف والانفعالات. ويكون الشعور حينئذ في موقف نرجسي خالص لا يرى إلا ما بداخله خارجه. ما ظنه القدماء إذن على أنه وصف لله بالفعل هو في الحقيقة وصف للإنسان. ولما كان الله هو الكامل جاء وصفه وصفا للإنسان الكامل. ويحدث ذلك طبقا لعمليات شعورية محددة. وتعني العمليات الشعورية ما يحدث داخل شعور المتكلم من صياغات عقلية للتجارب الشعورية التي يمر بها. فما دامت العبارات الكلامية لا تصف شيئا موجودا في الواقع، بل تعبر عن تجارب شخصية، فإنه لفهم هذه العبارات يتم إرجاعها إلى مصدرها في الشعور. (2-1) العلم المقلوب
إن المتأمل في علم الكلام أولا وفي الوحي ثانيا، أي الكلام، ليرى بوضوح تام أن علم الكلام علم مقلوب، وفي هذا القلب تتحدد كل موضوعاته على نحو معين، وتصبح كل مشاكله مشاكل كاذبة. وتظهر الحاجة إلى إعادة وضع هذا العلم وضعا صحيحا حتى تحل مشاكله. فليست المسألة الإجابة على السؤال، بل وضع السؤال وضعا صحيحا. وقد تتبدد المشاكل كلها عندما يعاد وضعها وضعا صحيحا. وكثيرا ما تتحدد الإجابة كلها بطريقة وضع السؤال.
فإذا تأملنا الوحي نجد أنه أساسا قصد موجه من «الله» نحو «الإنسان» أو كلام مصاغ من أجل الإنسان. الله هو المرسل، والإنسان هو المرسل إليه. الشعور الإلهي قائم على قصد، وهو الحديث إلى الإنسان. يتجه الشعور الإلهي نحو الإنسان بفعل الكلام. وعندما نتحدث عن الوحي كمقصد من الله إلى الإنسان فإننا لا نستعمل لفظة «الله» للدلالة على شخص أو ذات أو قدرة مشخصة أو غيرها، بل نتحدث عن واقعة الوحي ذاتها. ولفظ «الله» ليس إلا لفظا عرفيا استعمله الناس للدلالة على معنى عام، ويمكن استعماله مبدئيا نظرا لسهولة استخدامه في إيصال المعنى، ولكنه ليس اسما بمعنى أنه يدل على جوهر.
11
وإذا أتينا إلى علم الكلام نجد أنه قد قلب الاتجاه وجعل الكلام هو قصد الإنسان نحو الله. فبدل أن يحلل عالم الكلام الوحي باعتباره قصدا من الله نحو الإنسان، فإنه يحلله باعتباره قصدا من الإنسان نحو الله. فيجعل عالم الكلام الإنسان هو المرسل والله هو المرسل إليه! علم الكلام إذن خارج عن قصد الله بل هو مضاد له. فبدلا من أن يفكر الإنسان في نفسه تشبها بالإله لأن الله يفكر في الإنسان بدليل إرسال الوحي، فكر المتكلم في الله وهو ما لم يفعله الله لأن الله لم يجعل نفسه موضوعا لعلمه. وإذا تحدث عن نفسه في الوحي فإنما يتحدث للإنسان ولصالح الإنسان وتأكيدا لقيم الإنسان ويصور الإنسان ولغته وفهمه وقدراته.
وفضلا عن أن الوحي اتجاه من الله نحو الإنسان، فإن موضوعه أيضا هو الإنسان. فالإنسان هو اتجاه الوحي وموضوعه، هدفه وغايته. ولما كان الوحي هو العلم الإلهي، كان موضوع العلم الإلهي هو الإنسان. إذا حللنا الشعور الإلهي وجدنا الإنسان بؤرته، فهو الاتجاه والغاية، هو المنبع والمصب. وإذا نفذنا إلى لب العلم الإلهي لوجدنا الإنسان موضوعه. يفكر الله في الإنسان بدليل حديثه له، ولا يفكر كما قال القدماء في ذاته لأن ذاته أشرف ما في الكون، وعيب عليه ونقص فيه أن يفكر فيما هو أقل منه شرفا وكمالا. ولكن بمنطق القدماء إذا كان الله يفكر في الموضوعات الشريفة يكون الإنسان هو أشرف الموضوعات بدليل حديث الله إليه ومخاطبته إياه، ولإرسال الرسل والوحي إليه، ويكون الإنسان هو الموضوع الرئيسي لعلمه، وبدليل خلقه سيد الكون ولمكا عليه، وتسخير كل شيء في الطبيعة له، وحمل الإنسان وحده الأمانة وقبوله طواعية هذا التكليف، والمركز المتميز كطرف في علاقة فريدة مع الله.