3
والثالث أن تكون الصفات في الله على المجاز وفي الإنسان على المجاز، وهو ما يناقض معرفة الإنسان لنفسه حقيقة وإلا وقعنا في النسبة والشك والوهم واللاأدرية. والإنسان موجود على الحقيقة وصفاته على الحقيقة وليست على المجاز.
4
بل إن إثبات الصفات للإنسان على الحقيقة تحصيل حاصل لأن الإنسان يعلم أنه يقدر ويسمع ويبصر ويتكلم ويريد ... إلخ، ولا ينكر أحد من البشر ذلك إلا في بعض النظم الاجتماعية التي تقوم على القهر والغلبة والتي تنكر سمع الإنسان وبصره وكلامه وقدرته بل وتنكر حقه في ذلك. ولكن حتى هذا فإن هذه الأنظمة تعلم أن الإنسان قادر وعالم ومريد بدليل سنها القوانين سلبه هذا الحق الذي يحدث في الخفاء وإلى أن تقوم الثورات الشعبية ويمارس الإنسان هذا الحق علنا. لم يبق إذن إلا الاحتمال الرابع أن تكون الصفات في الإنسان على الحقيقة وفي الله على المجاز لأن الإنسان له سمع وبصر وكلام ثم يسقط الإنسان خصائصه على غيره في ظروف نفسية واجتماعية معينة مثل العجز والقهر والظلم، ويدفعها إلى حد الإطلاق. ثم يعبر بالصورة الفنية عن هذه الصفات لمزيد من التأثير على النفس والقدرة على الإبلاغ.
5
وهي نفس القضية التي عرضها الصوفية في موضوع الحب. هل حب الإنسان لله حقيقة وحبه للإنسان مجازا فالإنسان لا يحب إلا الله أم أن حب الإنسان له مجازا وحبه للإنسان حقيقة فالإنسان لا يحب إلا الإنسان؟ ويعني المجاز هنا الخداع والوهم أو المرض والتعويض النفسي وليس مجرد صورة فنية يمكن فهم معانيها بقواعد اللغة وأساليب التشبيه وطرق الاستعارة. والحقيقة أن إثبات الصفات كلها قائم على قياس الغائب على الشاهد. لذلك توسع الأشاعرة في الاستقراء ومعناه وأنواعه، التام والناقص، الصادق والكاذب في الانتقال من الجزئيات إلى الكليات نظرا لاعتماد قياس الغائب على الشاهد. لذلك توسع الأشاعرة في الاستقراء ومعناه وأنواعه، التام والناقص، الصادق والكاذب في الانتقال من الجزئيات إلى الكليات نظرا لاعتماد قياس الغائب على الشاهد على الاستقراء التام وحتى يمكن معرفة إذا كانا مشتركين في الحقيقة أو مختلفين.
6
وقد لاحظ الفقهاء أن كل هذه الصفات ألفاظ مشتركة يتراوح استعمالها بين العموم والخصوص، تطلق على الله وعلى الإنسان معا ولكنها تبدأ أولا بأن تطلق على الإنسان طبقا لمقتضيات الحس والمشاهدة ثم تطلق فيما بعد على الله تجوزا ومجازا.
7
والفلاسفة وحدهم هم الذين يرفضون كل اشتراك بين الله والإنسان في الصفات ويأخذون الموقف الثنائي الذي يضع العالم في قطبين متعارضين موجب أعلى وسالب أسفل، وبقدر ما يعطي الأول يسلب الثاني .
8
لقد أدرك القدماء المأساة وانتابتهم الحيرة، فجعل البعض الصفات في الله مصدر الصفات في الإنسان وهو حل وسط فتتحول الصفات من صفة ثابتة إلى صفة متحركة إلى فعل وعطاء، فلا تكون صفة مغلقة على نفسها تصف ذاتا ثابتة، بل هي قصد وفعل وحركة وتأثير وخلق في غيرها.
9
ولكنه يكون أقرب إلى الاحتمال الرابع، أي كون الصفات في الإنسان واقعا وفي غيره قياسا، خيالا أو وهما. فالصفات السبع، هي في حقيقة الأمر صفات إنسانية خالصة. فالإنسان هو العالم القادر والحي، والإنسان هو السميع والبصير والمتكلم والمريد. كل صفة تعبر عن طاقة إنسانية أو ملكة. يعبر العلم عن العقل النظري، والقدرة عن العقل العملي. والحياة عن الوجود الإنساني الحي، وكأن الحياة تظهر عقلين: العقل النظري والعقل العملي. أما السمع والبصر فهما مدخلان للعلم، فالعلم لا يكون إلا حسيا. والكلام تعبير عن العلم، ونطق به في العالم الخارجي. والإرادة تعبير عن القدرة وتحقق لها بالفعل. والاعتراف بالحق لا يعني هدم الحق. كما لا يعني الاعتراف بالواقع التهديد أو التخويف بنفي الصفات لله. يمكن إطلاق الصفات والأسماء مع معرفة كيفية هذا الإطلاق وبأي معنى ومتى يحدث، وهل هي أوصاف لذات موجودة بالفعل أم مجرد عمليات شعورية تحدث في وقت معين وظرف محدد.