تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

140

وقد تتوالى الأسماء مثل: «غفور رحيم»، «سميع عليم»، كما تتوالى أفعالها: «يفعل ما يريد» مرتين أو ثلاثا أو أربعا، تأكيدا على الأسماء والأفعال وإبرازا لها. وقد تكون أفعال الأسماء في صيغة تفضيل، مثل: «أعلم» للمقارنة بين علم الله المطلق وعلم الإنسان النسبي . وقد تكون بعض الأسماء خارج الصفات والأسماء الحسنى مجرد أسماء فعل، مثل: «مخرج»، «متوفي»، «رافع»، مما يدل على أن الأفعال لا نهاية لها من حيث الاشتقاق. وقد تكون في صيغة التعجب مثل: «كيف يهدي الله قوما»، أو في صيغة التساؤل مثل: «ومن يغفر الذنوب إلا الله»، أو في صيغة التعليل: «وليعلم الله الذين آمنوا»، أو في صيغة التوكيد: «وليمحص الله». ويكون الفعل في الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل مما يدل على شموله وإحاطته. وتتشابه أفعال الإنسان مع أفعال الله والخلاف يكون في القدرة أو في الهدف وحدهما مثل: «ومكروا ومكر الله» أو «تعلمونهن مما علمكم الله» أو «رضي الله عنهم ورضوا

عنه» أو «إلا تنصروه فقد نصره الله» أو «وأحسن كما أحسن الله إليك»؛ مما

يدل على أن الأفعال واحدة سواء نسبت إلى الإنسان أم إلى الله. وكانت أكثر

الأسماء كصفات هي عليم ثم غفور، ثم رحيم ثم حكيم.

141

أما الأفعال فأكثر ورودا شاء وهدى وأتى وأنزل، مما يدل على الإرادة المطلقة والرحمة المطلقة وإنزال الوحي كأهم أفعال لله.

142

والأفعال بها نفي وإثبات، ويغلب على بعض الأفعال النفي مثل: لا يحب ولا يخلف ولا يظلم. فحب الله مشروط بأفعال الطاعة من العباد وليس مطلقا كما هو الحال عند الصوفية، ووعده قائم لا ينخرق طبقا لقانون الاستحقاق، والعدل هو عدم الظلم.

143

أما بالنسبة لاستعمال الله مفعولا لأفعال، فإنها تدل على أن الله ليس فقط فاعلا لأفعاله، بل هو موضوع لأفعال الشعور. وأكثر الأفعال التي تأخذ الله موضوعا لها هو فعل التقوى في صيغة الأمر «اتقوا» ثم فعل العبادة في المضارع «تعبدون» كتقرير واقع، ثم فعل الطاعة في صيغة الأمر «أطيعوا».

144

أما استعمال الله مجرورا فإنه يشير إلى الإضافة، إضافته إلى أشياء وفي مقدمتها سبيل ثم آيات، أي أن الله طريق للفعل وآية للاستدلال.

145

وقد يذكر الله مجرورا بحروف الجر تشير إلى أن الله يدخل في علاقة حركية مع الأفراد والجماعات. ويأتي في مقدمتها اللام لله، ثم بالله، ثم من الله، ثم على الله، ثم عند الله، ثم إلى الله، ثم دون الله، ثم غير الله، ثم مع الله، ثم في الله، ثم بعد الله، فالله حركة في كل الاتجاهات. كما يظهر الله مجرورا بعد حرفي القسم تالله ثم والله.

146

فالله أغلى ما لدى الإنسان وأعز ما لديه.

| رابعا: إلهيات أم إنسانيات؟

(1) مقدمة: الحقيقة والمجاز

هل الصفات إلهية أم إنسانية؟ وهل نظرية الذات والصفات والأفعال كلها نظرية في الله أم نظرية في الإنسان؟ وبتعبير معاصر: هل الإلهيات إنسانيات مقلوبة؟

1

لقد وضع القدماء السؤال صراحة: هل الصفات في الله على الحقيقة وفي الإنسان على المجاز، أم في الله على المجاز وفي الإنسان على الحقيقة؟

والواقع أن هناك أربعة احتمالات: الأول: أن الصفات في الإنسان على الحقيقة وفي الله على الحقيقة، وهو مستحيل لأنه لا يمكن إدراك الله في الحقيقة ولا يمكن تصوره إلا بقياس الغائب على الشاهد. ولا يمكن أن تكون الصفات في الله وفي الإنسان معا لأنها تقوم كلها على قياس الغائب على الشاهد، والله هو الغائب والإنسان هو الشاهد. وهو أكثر تواضعا وأقرب إلى الواقع. فالإنسان لا يعرف إلا نفسه ولا يقيس الآخر إلا على ذاته، طبقا لقياس المجهول على المعلوم.

2

والثاني أن تكون الصفات في الله على الحقيقة وفي الإنسان على المجاز، وهو ما يناقض أيضا قياس الغائب على الشاهد. وهو ادعاء لأنه لا يوجد موضوع واقعي توجد فيه الأشياء على الحقيقة ويمكن معرفة أسمائه، فكل الذي يوجد هو الإنسان. فالإنسان لا يعرف إلا ذاته بتجاربه الباطنة، حقيقة لا وهما.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٨٥