118 (9، 10) الرحمن والرحيم: الأول اسم ذات والثاني اسم فعل: الأول ماهية مستقلة، والثانية ماهية قصدية لها متعلق،
119
ليست الصفة مغلقة على نفسها، بل متجهة نحو العالم ومتعلقة بفعل. وكلاهما يعبران عن الجانب الوجداني الذي على أساسه يقوم العفو والمغفرة، التعاطف بين الذوات. تدل صفة الرحمة على عاطفة إنسانية وهي أن الوجود الإنساني قيمة في ذاته، وأن الحب قد يسبق العدل وأن الإنسان عطاء أكثر منه أخذا، وأنه لا يقاس بفعل واحد في لحظة واحدة وزمان واحد ومكان واحد وموقف واحد. الإنسان ماهيته وجوده، أي مجموع أفعاله. الإنسان جوهره ومصيره. تدل الرحمة على أن أفعال الإنسان خطأ وصواب، وأن التعلم من المحاولة والخطأ. كما تدل على البداية من جديد، والجدة المستمرة ونقاء الشعور كما هو واضح في فعل التوبة المقابل لفعل الرحمة. وتدل على الصلة بالآخرين، وأن شعور الإنسان والآخر، هو شعور واحد، شعور الأمة. وتنشأ صفة الرحمة إذا اشتد البؤس الإنساني وفقد الإنسان الأمل ليس فقط في احتمال العدل على الأرض، وأصبح حتى تشخيص العدل وعيشه عزاء لا يكفي. فإذا ما وقع اليأس من العدل ومن كل حل تنشأ صفة الرحمة. وإذا أوحى اللطف بالعطاء بناء على حق الود وإذا أوحى الإحسان بالعطاء بناء على حق الإنسان كإنسان، فإن الرحمة تفضل مطلق من طرف على آخر، ونفي الإنسان لوجوده الخاص ومحوه في سبيل رحمة الطرف الآخر. يتمنى العبد من سيده الرحمة، ويرجو الفلاح من صاحب الأرض الرحمة. الرحمة طلب الضعيف من القوي، ورجاء العجز من صاحب الأمر. الرحمة كمطلب تعويض نفس عن فقدان الرحمة كواقع.
120
ولكن الرحمة مهما طالب الإنسان بها ومارستها الجماعة، فإنها لن تغير شيئا ولن تؤدي إلا إلى الخذلان. ولا يتغير شيء في الواقع لا عينا بعين ولا سنا بسن، أي المقاومة الفعلية لمظاهر الشقاء والبؤس. والتشبيه تشخيص للرحمة وجعلها صفة ذات، والتنزيه اقتصار على جعل الرحمة صفة فعل، فالمطلوب فعل الرحمة لا شخص الرحمة.
121 (11) الغفار: وهو نتيجة للرحيم وتحقق له. والمغفرة نتيجة للرحمة وتحققا لها. فالرحمة صادقة قولا وعملا في المغفرة. وكل قيمة نظرية لها تحققاتها العملية في أفعالها.
122 (12) الغفور: وهو مثل الغفار ولكن في صيغة مبالغة زيادة في التأكيد مما يدل على ارتباط الأسماء بعواطف التأليه القائمة على انفعالات التعظيم والإجلال.
123 (13) العفو: وهو نتيجة للغفور، فالغافر للذنب يعفو عنه. ويشير الاسم إلى تعين ثالث وإلى صدق عملي بالإضافة إلى الصدق النظري.
124 (14) الرءوف: وهو الكريم ذو العفو والمغفرة، والأقرب إلى العفو منه إلى العقاب، وإلى المغفرة منه إلى الانتقام، وإلى التخفيف منه إلى التشديد، فالوجود الإنساني قيمة في ذاته.
125 (15) الحليم: هو الرءوف الأقرب إلى تأجيل العقاب منه إلى استعجاله، والبطء في تنفيذه منه إلى السرعة تأكيدا على الرأفة والود واللطف. وتنشأ صفة الحلم من سيادة السفه في الواقع وضيق الإنسان به وعدم قدرته على تغييره. ثم تنقلب الصفة السائدة في الواقع إلى الصفة المضادة ويتحول السفه إلى حلم. ولما كان الإنسان عاجزا عن تحقيق الحلم، فإنه يدخل ضمن عواطف التأليه، ويتشخص في الذات المعظم أو يصبح مجرد فعل لها. يتمنى المدين طول أناة من الدائن، ويتمنى الكسول طول الأناة من صاحب الأمر. وقد تتحول الأناة إلى صبر ورضا وقناعة فيرضى الإنسان بالأمر الواقع، ويصبر على حاله، ويقنع بما لديه، ويؤمن بالقدر، ويستسلم للقضاء. وكما توالت الصفات قلت الصفات إيجابية، فالحلم والصبر والأناة والرضا والقناعة صفات تخص الإيجاب والسلب معا في حين أن القدرة والعلم صفات إيجابية خالصة لا ينتابها السلب. وقد يكون الحلم صفة سلبية لأنه مناف للثورة أو الغضب الذي يعبر عن مصلحة الجماعة حين يبلغ الحلم الذروة.