تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

78

وقد ظهرت من قبل في نظرية العلم في المعرفة الضرورية، وفي نظرية الوجود في الكيفيات الحسية (الأعراض) وفي قوى النفس (الجوهر). (3) الخبير: ثم تتحول المعرفة الحسية إلى خبرة ويصبح العارف خبيرا ويصبح الواقع والتجربة معيارين لصدق المعرفة. فهي معرفة معاشة تحتوي على نظرية في الصدق.

79 (4) المحصي: ليست المعرفة إدراكا حسيا واحدا، بل هي أيضا معرفة تقوم على الإحصاء، أي تكرار الواقعة الواحدة وجمع الوقائع ورصدها. المعرفة الإحصائية معرفة صادقة لأنها تعطي صورة للواقع وعن بنائه بالرغم من أنها معرفة ناقصة. فكل إحصاء معرفة ناقصة

أحصاه الله ونسوه ،

وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، ولأنه يعتمد على عينات ممثلة أو على مبدأ الاطراد العملي. الإحصاء لا يكون إلا ناقصا مثل الاستقراء.

80 (5) الشهيد: ويشير الاسم إلى المعرفة بالغائب قياسا على الشاهد. والمعرفة الحسية أساس المعرفة العقلية، وهو أساس التشبيه والتنزيه في الفكر الديني كله.

81 (6) المهيمن: وتعني الهيمنة الشهادة أيضا والرؤية عن بعد، والسيطرة على الموقف، وعدم غياب شيء واحد استعدادا للعقل العملي. تعني المهيمن القادر الواعي الذي لا تغيب عنه رؤية أو ينقص منه عمل.

82 (7) الحفيظ: ثم تختزن المعارف في الحافظة قبل أن تتحول إلى علم. العلم في الأذهان وفي الصدور، يختزن حتى يتخلق، وينتج، ويحدث منه علم جديد. يختزن العلم في الذاكرة ويتحول إلى عمق تاريخي، ويصبح العقل النظري عقلا تاريخيا، والعلم تراكما تاريخيا، فالقديم شرط الجديد.

83 (8) العليم: ويشير الاسم إلى آخر مرحلة من المعرفة النظرية. كما تدل أسماء أخرى على نظرية المعرفة مثل عالم وعلام، وهي المعرفة النظرية التي أصبحت تجريدا من المعرفة التجريبية التي تأتي من الحواس، السمع والبصر. هناك إذن ثلاثة درجات للمعرفة، المعرفة الحسية، والمعرفة التجريبية ثم المعرفة النظرية أو العقلية. وهذه الأسماء مشتقة من أول صفة للذات وهو العلم.

84 (9) الحكيم: ويشير الاسم إلى العالم الذي تحول علمه إلى وعي وتدبر وحكمة وخطة للفعل وإتقان له أي العلم والتحقق في مرحلة الإمكان.

85 (10) الحاكم: لما كانت المعرفة النظرية معرفة منطقية، والتصورات مقدمات للأحكام. فالمعرفة النظرية ذاتها حكم على الواقع. الحكم أعلى درجات المعرفة. ويقال الحاكم والحكم بنفس المعنى.

86 (11) المؤمن: اسم يشير إلى أكثر من صفة، فهو يشير إلى صفة الكلام. الإيمان بالكلام أو إلى صفة القدرة، أي المؤمن. والحقيقة أن المؤمن صفة تصديق داخلي بالعلم. ليس العلم تصورا فقط بل تصديق. يشير الاسم إلى التصديق الداخلي وهي البرهنة العقلية في مقابل التصديق الخارجي وهي صحة الخبر. فهو اسم من أسماء الوعي النظري لا الوعي العملي أي المؤمن الذي يؤمن الأبرار من الفزع الأكبر. الإيمان هو التصديق. هي فعل نظري قبل أن يكون فعلا إراديا، أي أنه فعل شعور يجد برهانه من داخله وليس من خارجه. هو إيمان عقلي قبل أن يكون إيمانا إراديا.

87

والصدق صفة تنشأ من إحساس الإنسان بأنه في عالم يسوده الكذب والبهتان، ويعمه الغش والخداع. ولم يعد فيه الإنسان قادرا على تصديق الكلمة أو توجيه سلوكه على أي منها. وبناء على عجز الإنسان عن مقاومة الكذب والقضاء على الخداع ودحض الغش وكشف البهتان ثم يأسه من ذلك فإنه يقوم بتأليه ما لم يستطع تحققه. فيؤله الصدق، ويدخل ضمن عواطف التأليه. وتشتد العاطفة إلى حد الإطلاق ثم تتشخص ويصبح لها وجود واقعي في العاطفة كما هو واقع في التشبيه أو يقتصر على جعلها فعلا للذات المشخصة. الفعل هو ما يحتاج إليه لا الصفة الموضوعية. وقد يتحول التعويض من مجرد تحقيق انفعالي لما عجز الإنسان عن تحقيقه بالفعل إلى تعمية الواقع وتغطيته بما نقص منه. ولذلك يكثر في مجتمعات النفاق الحديث عن الصراحة وفي مجتمعات الكذب والخداع الحديث عن الصدق والأمانة، وفي مجتمعات الكبت الجنسي والحرمان الحديث عن الشرف والفضيلة. فالحديث عن شيء تعويض عن غيابه في الواقع. والشيء إذا وجد في الواقع فإنه لا يحتاج لأن يوجد من خلال الحديث عنه.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٧٩