234
إن الكلام مجموعة من الصور الإنسانية الخالصة، خاصة بأسلوب التعبير والمخاطبة دون وصف لواقع بل للإيحاء به وتوجيهه. الخلق هنا بمثابة عملية يقوم بها الخيال من أجل توجيه السلوك والتأثير على الناس، وهذا هو الخلق الفني، وهو جزء من عملية الفهم والتفسير من أجل التوجيه والإعداد. وأخيرا الكلام هو في نهاية الأمر بنية الواقع ذاته وكماله وغايته، يتحقق كنظام مثالي للعالم تجد فيه الطبيعة ازدهارها وكماله. فالكلام مشروع تحقق، والوحي مشروع اكتمال. وهذا هو الخلق الفعلي. كل ذلك هو الكلام وأوجه خلقه. هو كلام الله بلغة الإنسان وطبقا لقدراته والذي يضمن الإنسان صحته التاريخية وصدقه النظري وتحقيقه العلمي. الخلق أهم صفة تميز الإنسان، أعطاها للذات المشخص وعزا إليها القدرة والإبداع والتكوين، وسكت هو عن الخلق، بل قلبه إلى إعجاز وتعجيز وظن أنه لن يقدر على الخلق وأعلن عجزه وأن الذات المشخص قد صرفت دواعيه وأحالته إلى عاجز مطلق ولم يبق له إلا التقليد.
235 (6-5) مراحل الكلام
ظهر من تحليل القدماء لصفة الكلام أن هناك ثلاثة مستويات له: المستوى الصوري حيث يبدو الكلام كصفة للتأليه المشخص وإطلاق الحكم للصفات من جديد القدم أو الحدوث. وهو مستوى صوري نظرا لأنه تحليل نظري خالص ولا يوجد به أي محك للصدق إلا مجرد الافتراض النظري، وهو البعد القبلي للكلام، ويدخل فيه الحديث عن اللوح المحفوظ والملائكة والرسل وكل ما يتعلق بنظرية النبوة. والمستوى الحسي وهو الكلام المقروء أو المسموع أو المكتوب المكون من الأصوات الحرف، وهي دراسة موضوعية يمكن ضبطها بمقاييس ملموسة نظرا لوجود موضوع حسي، وهذا هو البعد الحسي. وأخيرا المستوى الشعوري، وهو الكلام عندما يحل كمضمون للشعور، سواء في الذهن ويصبح مفهوما ويتحول إلى معنى أو في الوجدان ويصبح باعثا ويتحول إلى دافع ، أو في الذاكرة ويصبح محفوظا ويتحول إلى تيار دائم للشعور. وفي نفس الوقت تبدو هذه المستويات وكأنها مراحل لعملية الكلام ابتداء من الكلام الحسي حتى الكلام الصوري النظري المجرد. فالكلام مقروء ومسموع ومكتوب، تقوم به ثلاثة أعضاء: اللسان والأذن والعين. ثم هو مفهوم ومحفوظ ومحرك يقوم بذلك الذهن والذاكرة والوجدان. فالكلام الخارجي صوت (المسموع والمقروء) وحرف (المكتوب)، والكلام الداخلي معنى في الحاضر (المفهوم) أو من الماضي (المحفوظ) أو باعثا على التحقيق.
236
ما هو المقروء؟ المقروء قبل أن يكون مقروءا أي موضوعا للقراءة هو فعل للقراءة، ومن ثم يرد المفعول إلى الفاعل. ويكون السؤال: ما هي القراءة؟ هل القراءة كلام؟ الإجابة بالنفي تثبت الكلام المستقل عن القراءة، وأن الكلام لا يمكن رده إلى مجموعة من الأصوات والحروف إبقاء على الكلام كصفة مستقلة وإن لم تكن صراحة صفة الذات.
237
والكلام قراءة لأنه قراءة وأكثر، في حين أن القراءة ليست كلاما لأنها أقل منه. وإذا كان المقصود بالكلام هو الكلام المعنوي أو النفسي فإنه أيضا لا يعبر عنه إلا في صياغات حسية من حروف وأصوات. والإجابة بالإثبات تنفي أن يكون من الكلام صفة مستقلة وتجعله كلاما حسيا خالصا مؤلفا من مجموعة من الأصوات والحروف يمكن ضبطها.
238
وبعد فعل القراءة يأتي المقروء، وهو الموضوع الشعوري لفعل القراءة. هل القراءة هي المقروء؟ هل يساوي فعل القراءة موضوعها؟ وهو نفس السؤال ولكن في نطاق أضيق. فالنفي يرمي إلى إثبات الفرق بين فعل القراءة وهي مجموعة من الأصوات البشرية والحروف وبين موضوع القراءة وهو المقروء الذي لا يمكن رده إلى مجرد أصوات وحروف لأن له استقلالا ذاتيا خاصا به كالكلام أو الصفة. فعل القراءة صوت بشري بفعل الإنسان الحر يمكن اللحن فيه، في حين أن المقروء ذاته باق وقائم خارج الأصوات البشرية ولا يهم أين، في الذهن أو في النفس.