229
وقد يوفق البعض الآخر بين الحلين المتعارضين لصالح كلام الخالق وتصبح الذات المشخص بعض الكلام.
230
والتوقف عن الحكم كلية إلغاء للوضع الخاطئ للمشكلة دون إعطاء الوضع الحقيقي أو بيان لنشأة الوضع الخاطئ في الشعور. التوقف يعني أن النفي والإثبات معا لا يكفيان كحل للمشكلة، وبأن كلا منهما أضيق نطاقا من الموضوع. ولا يمكن رد الكل إلى جزء. كما يعني أيضا أن الواقع لا يقبل القسمة، وأنه يصعب إرجاع وجود الموضوع إلى قسمة ذهنية خالصة. كما أن التوقف يعني أن الواقع لا يتحمل حلولا قاطعة وأنه ذو أوجه. فقد يكون الإثبات من وجه والنفي من وجه آخر. وقد لا تكون القسمة ثنائية بل ثلاثية أو رباعية، ومن ثم فهي قسمة غير جامعة. وقد يدل التوقف على رغبة في التطهر وعلى رفض الدخول في متاهات غير مأمونة النتائج ومجهولة العواقب. التوقف هنا يعبر عن التقوى لا عن الثقة بالعقل، فالعقل هنا مغامرة غير محسوبة العواقب.
231
وقد لاحظ بعض القدماء والمحدثين أن المسألة كلها تمرين عقلي على التنزيه والتشبيه لا وجود لها بالفعل دفاعا عن الوحدانية ضد التعدد مهما اختلفت الطرق وتعددت الوسائل. ولكنها مسألة في حد ذاتها لا طائل منها ولا فائدة، وأنه موضوع لغوي صرف لا خيال فيه ولا إيهام.
232
كما رفضت بعض الحركات الإصلاحية الدخول فيه أو تجمع بين المطلبين القدم والحدوث، بين المعنى واللفظ من غير تمثيل ولا تعطيل بالاعتماد على مخترعات العلم الغربي الحديث.
233
وقد تكون المسألة كلها سياسية في نشأتها. فقد أرادت السلطة إيقاع المعارضة في حبائل الموضوعات النظرية الصرفة إبعادا منها لها عن المسائل العملية، فساهمت في إثارة مسألة خلق القرآن حتى يسهل حصار المعارضة وتشويه صورتها أمام العامة المؤمنة بعقائد أهل السنة والمطيعة للنظام. فاستعمل الموضوع النظري كسلاح عملي للتكفير وللمحاصرة ولعزلة المعارضة عن جماهيرها وإعطاء السلطة الحق في اضطهادها واستئصالها والقضاء عليها باسم الدفاع عن الإيمان والمحافظة على عقائد الأمة.
والحقيقة أن الكلام هو الوحي الذي بين أيدينا المتجه من الله إلى الإنسان وإلى العالم. الكلام قصد من الله إلى الإنسان ورسالة إلى مرسل إليه عن طريق المبلغ وهو الرسول. فهو ليس صفة للذات المشخصة أي قصدا من الإنسان إلى الله تعظيما وإجلالا وتأليها. الوحي إذن كلام الله بلغة الإنسان، وبهذا المعنى يكون مخلوقا، أي أنه أرسل إلى الإنسان. هذا هو الخلق الطبيعي أو الإنساني عندما يتحول كلام الله إلى الإنسان وإلى الطبيعة مثله مثل حكمة البشر التي تخلد الجماعات والشعوب من خلالها في مأثوراتها وحكمها وأمثالها وقصصها وسيرة أبطالها. والكلام موضوع طبقا لأسباب النزول. فهو ليس مفروضا على الواقع بناء على نداء الواقع واكتمل بناء على تطوره وأعيدت صياغاته طبقا لقدراته وأهليته على ما هو معروف في الناسخ والمنسوخ. هي عملية جدلية بين الفكر والواقع، الواقع ينادي على الفكر ويطلبه والفكر يأتي مطورا للواقع ويوجهه نحو كماله الطبيعي. ثم يعود الواقع فينادي فكرا أدق وأحكم حتى يتحقق الفكر ذاته ويصبح واقعا مثاليا يجد فيه الواقع الطبيعي كماله. ولا يتطلب ذلك التصور افتراض شخص المجرب بل هي عملية تاريخية طبيعية لا شخصية. الإنسان في العالم موضوع التجربة، وهذا هو الخلق التجريبي. والكلام كرسالة في التاريخ ينتقل منذ ساعة الإعلان عنه من جيل إلى جيل عبر الرواية الشفاهية ثم المدونة حتى تضمن صحته التاريخية. الكلام بهذا المعنى هو الخبر الصادق من خلال مناهج النقل وطرق الرواية. وهذا هو الخلق التاريخي لا بمعنى أن الكلام من صنع التاريخ أو من وضعه بل إنه محفوظ في التاريخ بلا زيادة أو نقصان من خلال أعمال الإنسان وإحكامه أنطق الرواية. فالصحة التاريخية للكلام لا تنتج عن عصمة الرسول ولا من حفظ المرسل ولا من صحة العقيدة أو الإيمان بالسلطة على ما هو معروف في نظريات «الصدق الإلهي» في تاريخ الأديان كبديل عن غياب الصدق التاريخي. بعد ذلك يمكن فهم هذا الكلام فهما إنسانيا ، والاستفادة منه تحقيقا لمصالح الإنسان، ومن ثم يتحول إلى بناء إنساني اجتماعي، يدافع الإنسان عنه دفاعا عن وجوده. وهذا هو الخلق المعرفي. يحتوي الكلام على «أيديولوجية» علمية، أو هو بناء نظري للواقع يتحول إلى بناء فعلي بفعل الإنسان وبجهده ونشاطه.