239
وما المسموع؟ لا يختلف المسموع عن المقروء إلا من ناحية العضو. المقروء موجود في اللسان والمسموع في الأذن، وكلاهما صوت. ويكون السؤال: هل المسموع الكلام أو الصوت ؟ إثبات المسموع كلاما إثبات للصفة القديمة ورفض لرد الكلام إلى مجرد الصوت.
240
ويكون السمع هنا بمعنى الفهم فيسمع الكلام متلوا.
241
ويكون السمع مباشرة بغير واسطة ودون حاجة إلى قراءة أو تلاوة. وقد يكون السمع متلوا ومقروءا.
242
والسمع المباشر قد يكون سمعا بلا حجاب ومصاحبا برؤية هذه المراتب في السماع تعبر في الحقيقة عن درجة القرب من الذات المشخص حتى يمكن تصنيف الأنبياء طبقا لها، ويكون أفضل الأنبياء من يسمع مباشرة بلا حجاب، ويتلوه من يسمع مباشرة حجاب. ثم يأتي عامة البشر الذين يسمعون بطريق غير مباشر عن طريق الأصوات دون رؤية أو نظر للصوت أو لمصدره. أما إثبات المسموع صوتا فهو وصف لعملية السماع الحسية دون إثبات أي كلام خارج الصوت المسموع. وتقوم الإرادة بفعل تقطيع الصوت. ولا يهم بعد ذلك إذا كانت الإرادة حركة أم ليست حركة.
243
الكلام لا يسمع بالأسماع، بل المسموع هو الشيء المتكلم. وقد تختلف اللهجات للمسموع تبعا لاختلاف القراءات نظرا لتغيير مخارج الأصوات دون تغيير في الحروف.
244
وقد يتوحد المسموع والمقروء والملفوظ والمتلو في شيء واحد.
245
فالقارئ بصوت والسامع بصوت والتالي كطريقة في الأداء أقرب إلى القلب وأبلغ في النفس من القراءة بلا صوت أي بالكتابة. وإذا كان المتكلم لا بد أن يكون متكلما بكلام مسموع، فماذا عن الصمت؟ ألا يعني السمع أيضا امتثال الأوامر وليس مجرد سماع الأصوات؟
246
وما المكتوب؟ الحقيقة أن التقابل موجود بين الصوت والحرف. فالصوت يشمل المقروء والمسموع، أي عضوي اللسان والأذن، والحرف هو المكتوب الموجود في العين رؤية وفي اليد كتابة. فالكلام إما مقروء أصواتا أو مكتوب حروفا. وكما كان السؤال هل كل الكلام قراءة أو مقروء يكون السؤال أيضا بالنسبة للكتابة والمكتوب، هل الكلام حروف؟ فالإجابة بالنفي إثبات للاختلاف بين الكلام والحروف وإعلاء لشأن الكلام ورفض لرده إلى مجرد الحروف التي يتكون منها كلام البشر. فإذا كان استقلال الكلام بمعناه وإثبات استقلال المعنى عن اللفظ نظرية مثالبة للغة فإنه كون المعنى خارج الذهن كصفة لذات مشخص نظرية دينية غيبية للغة.
247
وقد يتم التوحيد بين الكلام والحروف لا من أجل نظرية عملية للكلام، بل من أجل تقديس الحرف واعتباره مقدسا قديما كالكلام. والكلام مكتوب في هذا العالم كما أنه مكتوب في عوالم أخرى سابقة على هذا العالم ولاحقة عليه. وهذه أسطورة حسية تقوم على التجسيم.
248
وإثبات الهوية بين الكلام والحروف إثبات للكلام الحسي الخالص ورفض للذهاب إلى ما وراء الصيغ والعبارات إلا من خلال هذه الصيغ وهذه العبارات نفسها.
249
ولكن وحدة الحروف في لفظ واجتماع الألفاظ في عبارات تعطي معاني ليست هي الحروف. وإذا كان الكلام حروفا فكم يكون أقل الكلام من حروف؟ أقل الكلام حروفا إما حرف واحد، فالكلام اسم أو فعل أو حرف أو حرفان، مثل لا.
250
إذا كان المقروء والمسموع والمكتوب هو الكلام الحسي الخارجي، فإن المحفوظ والمفهوم والباعث هو الكلام النفسي، وهو البعد الثالث الذي يتوسط الكلام الصوري والكلام الحسي. ويشمل الكلام النفسي المعنى القائم بالنفس أو بالذهن حيث يصعب التفرقة بين وجود المعنى في الذهن أو في الذاكرة أو في الوجدان. والسؤال هو: هل يتكلم الإنسان بكلام غير مسموع؟ إن إثبات الكلام النفسي إثبات لاستقلال المعنى عن الألفاظ والمخارج والحروف. فهو موجود وجودا ذاتيا خالصا يشعر به المتكلم ولكن لا يملك التعبير عنه إلا لفظا أو إشارة أو رمزا، أي في صورة حسية للتعبير عنه وإيصاله للآخرين. يؤكد الحكماء وجوده في التأمل الخالص والذي لا يمكن التعبير عنه إلا بالصورة الفنية والخيال وكذلك الصوفية في العلم الإشراقي الذي لا يمكن التعبير عنه إلا رمزا أو إشارة أو تلميحا.