تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

218

وتضم المجموعة السابعة والأخيرة صفة واحدة، العرض، ويكون لدينا أيضا احتمالان، النفي والإثبات: (1)

لا عرض، وهي النظرة التي تنفي عن الجسم أنه عرض، مثل الحالة الأولى من المجموعات الست السابقة.

219 (2)

عرض، وهي النظرة التي تنفي الكلام الحسي في أكثر صوره مباشرة مثل الحالة الأخيرة من كل المجموعات السابقة.

220

وما دام الكلام مخلوقا وجسما وعرضا، فإنه يكون في مكان. وإذا كان في مكان فهل ينتقل من مكان إلى مكان؟ وهي مسألة لا تعرض إلا للقول بالخلق وليس للقول بالقدم. ويرجع إنكار المكان أساسا إلى إنكار الصفات الثلاث، مخلوق وجسم وعرض، وإثبات الكلام قائما بالذات وإرجاعه إلى الذات المشخص وتأسيسه من أعلى وليس من أسفل. فإن كان إنكار المكان في التأليه تعبيرا عن التنزيه، فإنكار المكان للكلام رفض للمكان الحسي ووقوع في الصورية والتشخيص.

221

وقد يؤدي إنكار المكان الموضوعي إلى إثبات مكان آخر أسطوري خارج العالم كتشخيص للوجود وكإثبات للكلام من عالم آخر زيادة في التعظيم والإجلال. وكيف يكون الكلام في مكان من هذا العالم؟ كيف يكون حينئذ قراءة وكتابة وسمعا ورؤية؟ قد يكون المكان الأسطوري أكثر عقلانية فيكون الجو. ولكن يظل الجو أيضا افتراضا محضا لا برهان عليه كأسطورة.

222

وهناك بعض الحلول المتوسطة تحاول الجمع بين إنكار المكان وإثباته، فتجعله قائما بالذات المشخص ثم موجودا في لحظة السمع أو القراءة أو الرؤية أو الكتابة لقسمة الصفات إلى صفات ذات وصفات فعل.

223

وقد يثبت الكلام في المكان دون تحديد، ويكون الكلام في كل مكان حتى وإن كان مخلوقا، فإنه لا يوجد بعينه في الحال.

224

وإثبات الكلام يعني أن الكلام موجود في اللسان تلاوة وقراءة، وفي الذاكرة حفظا، وفي العين رؤية، وفي اليد كتابة. ومع أن إثبات المكان في التأليه وقوع في التجسيم وفي التشبيه، إلا أن إثبات المكان للكلام تمسك بالنظرة الموضوعية وبالكلام.

225

ولكن أين الكلام في الأذن سمعا، وفي العقل معنى، وفي الشعور باعثا، وفي الواقع بناء؟ إن وجود الكلام في القراءة والتلاوة والحفظ والكتابة ليس إحصاء عاما لمظاهر وجود الكلام، بل أكثرها مادة وأقلها معنى. والوجود الفعلي للكلام هو وجوده في الذهن كمعنى أو كفكر أو كنظر، ثم وجوده في الشعور كباعث أو سلوك وحياة، ثم وجوده في الواقع كنظام اجتماعي. يجد الكلام إذن في أماكن كثيرة في مكان واحد، والمكان هنا لا يعني المحل والمظهر. ولا فرق في هذا بين من يثبت تكثر الكلام أو وحدته. فالوحدة تشير إلى وحدة الكلام كمعنى والتكثر يشير إلى مظاهره المتعددة، ولا فرق في هذا بين من يثبت قدم الكلام أو حدوثه.

226

والقول بالطباع تجاوز للنفي والإثبات ورفض للأحكام العقلية الخارجة عن الموضوع وذهاب إلى الموضوع ذاته ورد استقلاله إليه، وقضاء على التشخيص كلية، وتحويل الإشكال كله إلى البعد اللغوي وإثبات المجاز في أسلوب التعبير. القول بالطبائع إعادة لوضع المشكلة ونفي للتشخيص عن طريق الخلق، ورفض لثنائية الخالق المسيطر والمخلوق النسبي المسيطر عليه. وهو رد فعل عنيف على القول بالقدم. فالقدم يعطي الفعل كله للذات في حين يعطي القول بالطباع الفعل كله للشيء وينكر دور الذات المشخص على الإطلاق.

227

وقد يعني فعل الطبيعة أن الكلام ازدهار للطبيعة واكتمال لها. والكلام هو الطبيعة في صورتها المثلى، متطابقا مع الطبيعة بفعل النزول، وتطور للطبيعة بفعل النسخ، واكتمالا للطبيعة بفعل اكتمال الوحي.

228

قد يعني فعل الطبيعة أن الكلام تعبير عن الواقع وتأسيس عليه، والواقع هو الموقف الإنساني المتشابك، مصالح الفرد والجماعة، الصالح العام، كل ما هو إيجابي ومنتج في الحياة .

وقد ينكر البعض الحلين المتعارضين، القول بالقدم وإعطاء الفعل كله للذات المشخص ورفض الوقوع في القول بالطباع كلية وإعطاء الفعل كله للأشياء، فيصبح بعض الكلام خالقا.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٥٦