تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا كان الكلام مخلوقا، فإلى أي حد هو مخلوق، وإلى أي حد يكون المحل جسما؟ الخلق لا في محل يقرب الكلام من الصفة، والخلق في محل يقربه من الجسم تنزيها للذات.

206

ولما كان الجسم جوهرا له أعراض، فيصبح الكلام مخلوقا جسما وعرضا، ثم تتنوع الأحكام عليه بين النفي والإثبات، وبالتالي تكون لدينا مجموعات سبع. يكون الكلام في محل، إما: (1) مخلوق وجسم وعرض. (2) مخلوق وجسم. (3) مخلوق وعرض. (4) جسم وعرض. (5) مخلوق. (6) جسم. (7) عرض. ويلاحظ على هذه المجموعات السبع المحتملة عدة أشياء؛ أولا: الحالة الأولى يمثلها أهل السنة والأشاعرة، والحالة الأخيرة يمثلها المعتزلة والكرامية، أي إن الحالتين الأولى والأخيرة على طرفي نقيض، في حين أن باقي الحالات متوسطة. ثانيا: إن الحالات المتوسطة أيضا تدخل في أضداد فيما بينها، وكأننا أمام الأحكام الخمسة في علم أصول الفقه.

207

ثالثا: إن المجموعات التي تتعامل مع صفة واحدة مثل مخلوق أو جسم أو عرض لا يوجد فيها إلا احتمالات، النفي والإثبات دون حالات متوسطة، وكأن التوسط لا يأتي إلا باجتماع أكثر من صفة. رابعا: هناك احتمالات واردة نظرا ولكنها غير واردة عملا، خاصة في المجموعات التي تجمع أكثر من صفة. فالاحتمالات العقلية شيء والمواقف العملية شيء آخر، خاصة إذا كانت بعض الاحتمالات العقلية متناقضة لا ينتج عنها موقف فعلي عملي. خامسا: كل المواقف القائمة على صفة واحدة كلها احتمالات عملية واقعية، وليس بها احتمالات قائمة نظريا غير واردة عمليا. فإذا عرضنا المجموعة الأولى التي تضم ثلاث صفات: مخلوق، وجسم، وعرض، متدرجة من النفي إلى الإثبات، نجدها تضم ثمانية احتمالات، كل منها مضاد للآخر، وبالتالي تكون لدينا في الحقيقة أربعة احتمالات وأضدادها: (1)

لا مخلوق ولا جسم ولا عرض. وهي النظرة التقليدية التي تثبت قدم الكلام وتنفي أن يكون مخلوقا أو جسما أو عرضا، وهي مضادة للاحتمال الثامن، وهو احتمال وارد ويمثل أهل السنة.

208 (2)

لا مخلوق ولا جسم وعرض. وهي النظرة التي تثبت قدم الكلام وتنفي أن يكون جسما، ولكن في نفس الوقت لا ترى حرجا في أن يكون عرضا لأولوية الذات عليه. وهي معارضة للاحتمال السابع. وهو احتمال موجود نظرا وغير وارد عملا.

209 (3)

لا مخلوق وجسم ولا عرض. وهي النظرة التي تثبت قدم الكلام ولا ترى حرجا في جعله جسما بما أنه مكتوب مقروء. ولكنه يتميز عن باقي الأجسام في أنه لا عرض. وهي مضادة للاحتمال السادس. وهو أيضا احتمال موجود نظرا غير موجود عملا. (4)

لا مخلوق وجسم وعرض. وهي النظرة التي تثبت للكلام صفة القدم ولا ترى حرجا في كونه جسما أو عرضا كباقي الأقسام. يكفي أنه يتميز عليها بالقدم. وهي النظرة المضادة للاحتمال الخامس. وهو احتمال وارد نظرا وغير وارد عملا. (5)

مخلوق ولا جسم ولا عرض. وهي النظرة التي تثبت خلق الكلام الحسي ثم تستنكف أن يكون مشابها للأجسام، فتنفي أن يكون جسما أو عرضا، وهي مضادة للاحتمال الرابع.

210 (6)

مخلوق ولا جسم وعرض. وهنا يكون الكلام مخلوقا وعرضا باعتبار أولوية الذات عليه. ولكنه ليس جسما لأنه متصل بالذات، وهي النظرة المعارضة للاحتمال الثالث. وهو وارد نظرا وغير وارد عملا.

211 (7)

مخلوق وجسم ولا عرض. وينزل الكلام هنا درجة نحو الحس، ويكون مخلوقا وجسما، ولكنه يفتقر عن غيره من الأجسام في أنه لا عرض، وهي النظرة المعارضة للاحتمال الثاني.

212 (8)

مخلوق وجسم وعرض. وهي آخر درجات الحس، والتي يصبح فيها الكلام موضوعا حسيا خالصا، وهو الاحتمال الغالب عند المعتزلة والكرامية وكل المشبهة والمجسمة عندما يتخلص الكلام نهائيا من صفة للذات إلى موضوع لعلوم اللغة.

وتضم المجموعة الثانية صفتين فقط، مخلوق وجسم، وتكون لدينا احتمالات أربعة، يردان إلى اثنين وأضدادهما، وهي: (1)

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٥٤