198
ولما أدى الحكم بالقدم سواء في الخلط بين المستويات أو في التمييز بينها إلى تصور حسي للعالم، كان من الطبيعي أن يعترف بذاك صراحة. الحكم بالخلق أو بالحدوث ليس فقط في صفة للكلام، بل في الذات. فلم يعد القرآن نفسه حادثا، بل الذات نفسها حادثة ومحلا للحوادث، ومن لا يعود هناك فرق بين الحشوية وأهل السنة وبين المشبهة. فالطرفان يلتقيان على التجسيم أو التشبيه، مرة لحساب الله ومرة لحساب الجسم. ليست صفة الكلام وحدها هي الحادث، بل إن الذات نفسها تكون محلا للحوادث أو محلا للقدرة الحادثة.
199 (6-3) خلق القرآن
أما الحكم بالحدوث فقد ظهر في موضوع «خلق القرآن». والحقيقة أن لفظ الخلق من وضع الخصوم، والأصوب هو الحديث عن القرآن المسموع المرئي المتكون من الأصوات والحروف والعبارات الدالة والمقروء والمحفوظ، وهي النظرة الأكثر علمية للكلام.
200
ولا فرق في خلق القرآن بين إثبات الصفة ونفيها. ففي كلتا الحالتين الكلام مخلوق أو حادث. وقد يفضل البعض إقامة فرق دقيق بين الخلق والحدوث. فإذا كان القرآن محدثا فإنه يمتنع أن يكون مخلوقا تجنبا من الوقوع في التجسيم.
201
فإذا كان كلام الله أصواتا وحروفا ليست قائمة بذاتها، بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي، فإن ذلك بناء على أن أفعال العباد مخلوقة لهم كذلك إما مباشرة ابتداء وإما بالتوليد. هناك إذن صلة بين خلق القرآن وخلق الأفعال، كلاهما فعل إنساني خالص مباشر أو متولد.
202
والقول بالحدوث يستتبع بطبيعة الحال القول بالفناء، فكما أن الكلام حادث فإنه يفنى.
203
وهناك عديد من الحجج النقلية لإثبات خلق القرآن.
204
وهي أيضا ظنية؛ نظرا لأنها ابتسار للوحي وقراءة للمذهب في النصوص وحق المذهب المضاد في نفس القراءة. وما أسهل من تحويلها إلى حجج مضادة للمذهب نفسه بقراءة أخرى وبتأويل مضاد. أما الأحاديث فمعظمها ضعيف وخبر آحاد وتعبر عن الدين الشعبي في الإجلال والتعظيم.
أما الحجج العقلية فنوعان: الأول تقوم على برهان الخلق، أي استحالة النقيض. مثلا: لو كان قديما لكنا أمام إلهين قديمين: الله والقرآن. لو كان قديما لوجب أن يكون مثل الله لأن القدم صفة من صفات النفس والاشتراك في صفة من صفات النفس يوجب التماثل، أي الاشتراك في جميع صفات النفس. لو كان قديما لاختص ببعض المخلوقين دون البعض مثل اختصاصه بالرسول والقرآن معجزته، وهو تناقض لأن القديم لا متعلق له. لو كان قديما لاستوت نسبته إلى المتعلقات كالعلم، ووجب أن يكون عالما لذاته، قادرا لذاته كالقديم. ولو كان قديما لاستحال أن يعدم لأن العدم مستحيل على القديم. ويتبع برهان الخلق حجة جدلية مؤداها أن كلامه إما أن يكون مثل كلامنا أم لا، والأول مخلوق والثاني لا يعقل؛ لأن الكلام هو الكلام. أما حجج الإثبات فتقوم على النسخ، ففي القرآن ناسخ ومنسوخ، والنسخ من صفات المحدثات، والقديم يمتنع عليه النسخ سواء في اللفظ أم في المعنى. والقرآن أوامر ونواه، وليس من الحكمة أن يأمر بالعدم وينهى عنه. وإذا ما أدى الإنسان الأمر لم يبق إلا الآمر. ويستحيل قدم الكلام لاستحالة قدم الأمر، فلا يوجد مأمور في الأزل. والقرآن معجزة الرسول، فيمتنع أن يكون قديما. وأخيرا القرآن مسموع ومكتوب ومحفوظ، وبالتالي فهو متغير، نلفظ به ونحرك به اللسان. والحقيقة أن القول بالخلق أو الحدوث أكثر إطلاقا لعواطف التنزيه، إذ كيف يكون الكلام بالصوت والحرف المسموع المرئي صفة تعبر عن التنزيه وهي لا تخلو من حس وتشبيه؟ كيف يكون القديم حسيا؟ إن القول بالخلق والحدوث هو في نفس الوقت تنزيه للذات وأكثر اقترابا من الكلام كموضوع حسي علمي يمكن دراسته في علم الصوت أو في علوم اللغة.
205 (6-4) هل الكلام مخلوق وجسم وعرض؟