تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

184

البديل إذن عن الخلط بين المستويات هو التمييز بينها. فالقرآن قديم كصفة أزلية قائمة بالذات ومحدث باعتباره أصواتا وحروفا منزلة على النبي.

185

وكل ما هو خارج الصفة مثل اللوح المحفوظ وجبريل وليلة القدر وبيت العزة والسماء الدنيا والصحف والسور المكية والسور المدنية كلها مخلوقة.

186

الكلام قديم، والحروف والأصوات مخلوقة. العلم غير مخلوق ولكن الأمر والنهي مخلوقان. العلم يحتوي على التصور النظري للعالم والأمر والنهي يمثلان التطبيقات العملية لهذا التصور في الزمان والمكان.

187

وقد يميز بين الحدوث والخلق، فليس كل محدث مخلوق أو غير مخلوق بالضرورة.

188

وقد يميز بين الحدث والمحدث، فكل حدث لا يكون بالضرورة محدثا.

189

وقد يكون بعض الكلام لا في محل والبعض الآخر في محل.

190

كلام الله إذن قديم أزلي، نفساني، أحدي الذات، ليس بحروف ولا أصوات.

191

ولا يكفي إثبات ذلك عن طريق تفنيد الموقف الحشوي الذي يقوم على الخلط بين المستويات، أي عن طريق إثبات استحالة الضد، بل هناك أدلة إيجابية لإثبات التمايز بين المستويات، بالنقل والعقل. ويشمل النقل الكتاب والسنة والإجماع.

192

والحقيقة أن ذلك لا يثبت شيئا، فالنقل معارض بنقل غيره، والنقل الأول قد يؤول حتى يتحول إلى نقل مضاد، فكل نقل خاضع لتفسير وتأويل طبقا للمذهب المسبق الذي قرأ نفسه في النص فابتسره وأخرجه من سياقه ومضمونه وأبعده عن اتجاهه من داخل العالم إلى خارج العالم. أما الأحاديث فهي آحاد أو ضعيفة معارضة بأحاديث أخرى، أغلبها يظهر فيه الدين الشعبي. أما الإجماع فإنه ليس تاما، وإنه من فرق واحدة، وإنه يقوم على الهوى، وإنه معارض بالنقل، وإنه لا يتم إلا في مسألة عملية تتعلق بصالح الأمة. أما الحجج العقلية فمعظمها جدلي يقوم على القسمة واستحالة الحدوث بناء على دليل الحدوث لإثبات الصنع وصفة القديم كوصف للذات. وقد تكون حججا خطابية إيمانية مستمدة من الحجج النقلية دون إحكام عقلي نظري كاف. وقد يقوم البعض منها على إثبات استحالة الضد، أي إنها براهين خلق.

193

وتقوم حجج أخرى لإثبات القدم على الفصل التام بين الكلام والصفة والذات القديم وبين الكلام كموضوع حسي موجود مكتوب ومقروء ومسموع استنكافا من المادة وتأففا منها، ومن ثم يكون إثبات القدم تعبيرا عن عواطف التطهر.

194

وقد كان هم كل متكلم أشعري المباراة في إثبات قدم الكلام والتفصيل في الحجج وكأنها مسألة بها ترعى مصالح الأمة. منها ما يعتمد على قدم الصفات أو على إثبات الأزلية أو على نفي الضد واستحالة الخلق أو على مجرد المعنى العام المفهوم من الخبر.

195

والقول بقدم الكلام يؤدي بالضرورة إلى القول ببقائه. فإذا كان الكلام أزليا فإنه يكون كأوصاف الذات المشخص. فهو لا أول ولا نهاية له في الزمان. ولا يؤثر في ذلك كون الكلام جسما أم عرضا؛ لأنه يكون حينئذ جسما أو عرضا باقيا في حين أن الأجسام والأعراض الأخرى غير باقية.

196

وإمعانا في إثبات البقاء يكون الكلام كله باقيا، سواء كان الكلام صفة للذات المشخص أو كلام الإنسان.

197

ومع ذلك لم تحظ صفة البقاء بما حظيت به صفة القدم تماما كما كان الحال في أوصاف الذات عندما حظي القدم باهتمام أكبر من البقاء، وكان ما لا أول له أهم بكثير مما لا نهاية له، وكأن الماضي أهم من المستقبل، وكأن الغوص في الماضي والبحث عن الجذور أهم من التطلع إلى المستقبل والتخطيط له. فإذا كان القول بالقدم يستتبع القول بالبقاء كما يستتبع القول بالحدوث القول بالفناء فكيف يشارك الكلام الله في البقاء كما يشارك في القدم؟ أليس ذلك قولا بتعدد القدماء؟ وكيف يشارك الكلام وهي صفة في القدم وهو وصف للذات؟

والحقيقة أن القول بتمايز المستويات في الكلام تفاديا للخلط بينهما يكون موقفا تطهريا صرفا، يقوم في حقيقة الأمر على مادية مقنعة، وكأن موقف الخلط وموقف التمييز كلاهما واحد، الأول مادية صريحة، والثاني مادية مقنعة. فما السبيل إلى معرفة الكلام القديم الأزلي؟ نحن لا نعرفه إلا من خلال الكلام الحادث، وبالتالي لا يمكن معرفة كلام الله كصفة قديمة إلا من خلال الوحي، أي بلغة الإنسان المقروءة والمسموعة، وهو كلام حادث. وإذا كان الكلام نفسانيا ليس بأصوات ولا حروف فإن السؤال يكون نفسانيا بالنسبة لمن: نفس الله أم نفس الإنسان؟ وهل لله نفس يختزن فيها المعاني كما هو الحال عند الإنسان؟ أليست نفس الله هي نفس الإنسان مدفوعة إلى أعلى، صورة مكبرة لصورة أصغر بدافع التعظيم والإجلال، إقلالا من شأن الذات، وتعظيما من شأن الآخر؟ وإذا كان الكلام أحدي الذات، فإن إنكار التعدد إنكار للمستويات، وبالتالي وقوع في الخلط بينها من جديد. وإذا كان الكلام ليس بحروف ولا أصوات ضد الحدوث، فما علاقة الكلام القديم بالكلام الحادث؟ ليس المهم هو الاعتراف بالتمييز بين المستويات، بل إيجاد الصلة بينها، وإلا وقعنا في الخلط بينهما من جديد. وإذا كان الكلام مغايرا لباقي الصفات، فكيف يكون مغايرا لها وهو مصدرها؟ ما صلة الواحد بالكثير، والمعنى باللفظ؟ لذلك لا فرق في النهاية بين الخلط وبين المستويات أو بين التمييز بينها. الأول يجعل الله إنسانا، فالكلام صوت وحرف، والثاني يجعل الإنسان إلها، فالإنسان تكلم بكلام الله القديم. إن القول بقدم الكلام لناتج عن ربطه بالتأليه المشخص وجعله مشاركا له في القدم والأزلية والأبدية واللانهائية. وما دام التأليه المشخص غير مجسم كان الكلام كذلك. فالكلام قديم لفظا ومعنى مما يؤدي في النهاية إلى القول بأن الكلام جسم أو أنه قديم ومحدث في آن واحد، فإذا ما غالى البعض في إثبات القدم مزايدة في التنزيه، فإنه يجعل الكلام كله قديما، سواء كان معنى أو لفظا قائما بالذات المشخصة أو بفعل القراءة وبحركة اللسان.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٥٢