101
فإذا كان التمرين العقلي، وهو القدرة على خلق العرض، يسمح للشعور بالتعبير عن القدرة على الممكن، فإن التمرين العقلي الثاني: هل يقدر الله على خلق جواهر لا أعراض فيها؟ يعطي للشعور فرصة أكبر لتجاوز المستحيل؛ وذلك لأن الجواهر لها أعراض، والأعراض لا توجد إلا في جواهر. ولكن القدرة العظمى تستطيع خلق جواهر بلا أعراض، وأن تتحكم في طبائع الأشياء وتتحداها، على عكس الإنسان الذي لا يستطيع خلق جواهر بلا أعراض حين تخضع قدرته لطبائع الأشياء وقوانين الطبيعة. فالرد بالإيجاب يسمح للشعور بالتعبير عن عظمة القدرة وجلالها حتى ولو كان في هذا التعظيم القضاء على العالم كله في حين أن الرد بالنفي إثبات لطبائع الأشياء ولقوانين الطبيعة، وتصور علمي للتنزيه وقضاء على تشخيص القدرة.
102
ثم يأتي تمرين ثالث يسأل عن قلب الأجسام من جوهر إلى عرض ومن عرض إلى جوهر في صيغة: هل يقدر الله على قلب الأجسام أعراضا والأعراض أجساما؟ والغاية من السؤال السماح للشعور بالتعبير عن عواطف التعظيم والإجلال طبقا لاستدلال شعوري على النحو الآتي: بما أن الإنسان لا يقدر على قلب الأجسام أعراضا والأعراض أجساما، بل إنه لا يقدر على مجرد تغيير الجواهر إلى جواهر مثلها أو الأعراض إلى أعراض مثلها، يكون المؤله المشخص إذن هو وحده القادر على ما لم يقدر عليه الإنسان، فيستطيع أن يقلب الأجسام أعراضا والأعراض أجساما. وبتعبير آخر بما أن الإنسان لا يقدر على تغيير قوانين الطبيعة، فإن المؤله المشخص إذن يكون هو وحده القادر على ذلك. ومن ثم يفي الرد بالإيجاد بهذا الغرض، في حين يكون الرد بالنفي إثباتا للنظرة العلمية واستقلال الطبيعة وانتظام قوانينها، وكأن القدرة لا تثبت إلا على حساب العالم وأن استقلال الطبيعة لا يثبت إلا على حساب القدرة . ويكون المكسب والخسارة هو: أين موقف الإنسان وموقعه في العالم؟ هل هو مدافع عن حق الله أم مدافع عن حقه كإنسان وعن استقلال قوانين الطبيعة ووجوده في عالم يحكمه قانون، وبالتالي ينشأ العلم ويتأسس النظام؟
103
ويمكن التوفيق بين الموقفين عن طريق التمييز بين نوعين من الموجودات: الأول يحدث في ذات المؤله، وهو يدخل تحت قدرته، والثاني يحدث في العالم الخارجي وهو لا يدخل تحت قدرته بل يسير طبقا لطبائع الأشياء. بل إن الخلق نفسه لم يتم بالقدرة الشخصية للتأليه، بل بالكلام وحده أي بالفكر وليس بالإرادة، بالمعنى وليس بالقوة، بالعقل وليس باليد.
104
ثم يأتي تمرين رابع ليعطي نفس الفرصة للشعور كي يعبر عن عاطفة التأليه، وهو: هل يقدر الله على صيرورة الجسم جزءا لا يتجزأ؟ ويقدم الذهن قسمته المنطقية، الكل والجزء، ثم يسقطها على الأجسام فيصبح الجسم كلا يتكون من أجزاء لا تتجزأ. ويكون التمرين: هل يمكن تحويل الكل إلى جزء؟ وبما أنها استحالة منطقية وطبيعية عند الإنسان، فإن المؤله المشخص يكون هو وحده القادر على تجاوز هذه الاستحالة وتحويلها إلى إمكانية بالقدرة المنظمة. فالرد بالإيجاب يسمح للشعور بالتعبير عن عواطف التأليه في هذه القسمة المنطقية التي قدمها الذهن وأسقطها على الطبيعة.
105
ويكون الرد بالنفي هو التزام بالنظرة العلمية والتمييز بين عواطف التأليه التي يمكن التعبير عنها في صياغات عقلية علمية لا تمسها استقلال الطبيعة وحتمية قوانينها وبين القسمة المنطقية التي يقدمها الذهن تعبيرا عن عواطف التعظيم والإجلال.
وقد يثار نفس السؤال عن طريق إدخال القدرة الإنسانية، وبالتالي يقدر الله في العالم ويفعل في الأجسام والأعراض من خلال قدرة الإنسان، هدما لها وقضاء عليه حتى لا تقوى أن تصمد أمامها الطبيعة، ولا أن يقف في مواجهتها الإنسان. وصيغة السؤال: هل يوصف الباري بالقدرة على أن يقدر خلقه على الحياة أم لا؟ وعلى فعل الأجسام أم لا؟ هل يقدر الله أن يخلق قدرة لأحد على فعل الحياة والموت أم لا يوصف بالقدرة على ذلك؟ وفي مقابل الإيجاب الذي يمثل القدرة المطلقة الشاملة