تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

93

وقد تصطدم القدرة بموضوع العدل في سؤال: هل يقدر الله على فعل الظلم للإنسان؟ هل يقدر على فعل الشرور والقبائح في العالم؟ فإثبات القدرة المطلقة تضحية بالعدل في سبيل التوحيد، ونفيها إحكام عقلي للتوحيد في سبيل العدل. وليس هناك حل عقلي مرض؛ لأن المسألة كلها تمرين عقلي للمزايدة في عواطف التعظيم والإجلال على حساب الإحكام العقلي وتأكيد حق الإنسان. وقد يمتد السؤال من هذه الدنيا إلى غيرها. حينئذ تصطدم القدرة بأمور المعاد في السؤال: هل الله قادر على إثابة المسيء وعذاب المحسن؟ وهو نفس مسألة العدل مع تطبيقها في نهاية الزمان خارج العالم وليس في الزمان في هذا العالم.

94

ولكن الصدام الأكبر هو الذي نشأ بين القدرة المطلقة وبين العالم الطبيعي، سواء في نهاية الزمان في إفناء العالم أو في هذا الزمان في تغيير قوانين الطبيعة.

95

ويكشف هذا الصدام عن صراع فعلي بين الفكر الديني والفكر الطبيعي، بين الفكر اللاهوتي والفكر العلمي ودفاع الفكر الطبيعي والعلمي عن استقلال الطبيعة واستحالة تحول الوجود إلى عدم أو العدم إلى وجود، فالأجسام لها طبائع مستقلة.

96

وقد تتردد بعض الآراء بين الفكر الديني التقليدي والفكر الطبيعي العلمي الناشئ عندما تحاول الجمع بين القدرة المطلقة وطبائع الأشياء في وجود ثالث تظهر فيه القدرة وتفنى فيه الأشياء وهو الفناء نفسه. ويتم ذلك مرة واحدة لا على فترات؛ لأن طبيعة الشيء لا تتجزأ ولأن فناء الكل أعظم قيمة من حيث القدرة من فناء البعض، ولأنه فناء طبقا لمبدأ وليس طبقا لحالات فردية خاصة. يشير هذا التردد بين الإطلاق والتقييد في الصفات إلى بزوغ الفكر الطبيعي العلمي الناشئ من باطن الفكر الديني التقليدي واستقلال الطبيعة حتى ولو كانت في صيغة أخرويات مشخصة عن الإرادة الإلهية وإعلان توقفها بعد أن تكمل غايتها في التاريخ. وإن كان هناك إطلاق فهو إطلاق من طبيعة الشيء وليس من إرادة مشخصة خارجة عنها.

97

ولكن تظهر الطبيعة في هذا العالم كحد للقدرة في كون الأشياء موجودة، وأن الوجود هو القدرة. الوجود والقدرة شيء واحد، ويعني ذلك أنها من جنسه. القدرة تحيل الوجود إلى عدم، والعدم إلى وجود. وما دامت القدرة قد ثبتت فقد ثبت الوجود. وما دام هناك وجود فهناك قدرة. القدرة هنا ليست قوة مشخصة يرمز إليها باليد بل هو الوجود ذاته. ومن ثم لا يستحيل عليها شيء؛ لأنها هي الشيء.

98

وقد يتحول التمرين العقلي من الوجود العام إلى الوجود الخاص، أي إلى الأجسام، ويصبح التمرين هو: هل يقدر الله على خلق العرض؟ والتمرين العقلي لا يبغي حل مشكلة موجودة بالفعل، بل هو مجرد سؤال يوجهه العقل للشعور حتى يسمح للشعور بالتعبير عن عواطف التعظيم والإجلال، وهي الصياغات العقلية لعواطف التأليه. والرد بالإيجاب يسمح للشعور بتجاوز الممكن إلى المستحيل، وباستعمال طريق الأولى، وهو الاستدلال المنطقي الذي يعبر عن عواطف التأليه. وهو الموقف التقليدي الشائع، موقف الأشاعرة وأهل السنة، يشاركهم فيه بعض المعتزلة.

99

أما الرد بالنفي فهو إثبات لطبائع الأشياء المستقلة حتى ولو كانت أعراضا. فالأعراض مع طبائع الأجسام.

100

وقد لا يكون النفي نفيا للقدرة وحطة في التنزيه، بل هو تصور علمي للتنزيه يستبعد التشخيص ويعيد الاستقلال للأشياء. وماذا في القدرة على خلق العرض من تنزيه؟ ليس فيها إلا من إثبات لقدرة تفعل ما هو جدير بها وما ليس بجدير كالقدرة المسيطرة التي تفعل كل شيء، كبيرا كان أم صغيرا، في حين أن جلالة القدرة وعظمتها لا تفعل إلا ما لا يقدر غيرها على فعله. والعظيم هو الذي يتعفف عن فعل صغائر الأمور. تستخدم الموضوعات الطبيعية إذن لإثبات القدرة، ليس فقط في خلق الجواهر، بل أيضا في خلق الأعراض. ويصارع الفكر العلمي الطبيعي في جعل الأعراض حالة بالجواهر وبالتالي ينكر خلق الأعراض. والقضية هي: أيهما أولى بالدفاع، قدرة الله المطلقة مع إنكار كل قدرة أخرى، أم استقلال الطبيعة وحركة الأجسام وقوانينها؟

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٤٢