106
هناك النفي النسبي عن طريق نفي الأقدار من الأجسام وإثباته في الأعراض أو إثباته في بعض الأعراض ونفيه في البعض الآخر.
107
وهناك النفي المطلق في الأجسام والأعراض معا تأكيدا لقدرة الإنسان ودفاعا عن استقلال الطبيعة.
108
ولما كان موضوع القدرة كإقدار داخلا في موضوع الكسب فقد جعل البعض الإنسان قادرا على الكسب عاجزا عن الخلق، وأن المقدور على كسبه هو المعجوز عن خلقه.
109
ويفضل البعض الآخر إلغاء المشكلة كلها، فلا يوصف الإنسان لا بالقدرة ولا بالعجز لا على الكسب ولا على الخلق، ورفض التمرين العقلي نظرا لما يقدمه من متاهات لا تسمح إلا بالتعبير عن عواطف التأليه تعظيما للمؤله وتحقيرا للطبيعة وتعجيزا للإنسان.
110
وقد يضاف إلى القدرة صفة أخرى تابعة لها أو مستقلة عنها، وهي صفة الخلق أو التكوين فتكون الصفات ثمان. رباعي ورباعي. والحقيقة أنها صفة إضافية؛ لأن القدرة صفة مؤثرة على سبيل الصحة، وصفة الخلق أو التخليق مؤثر أيضا على سبيل الصحة، ومن ثم لا فرق بين الصفتين. أما التكوين فإنه ليس صفة مستقلة بل داخل في القدرة أو في الإرادة؛ لأن التكوين تخصيص مثلها.
111
والحقيقة أن اللفظ في أصل الوحي يشير إلى الفعل والموصوف ولا يشير إلى الصفة، مما يدل على أن القدرة فعل أو فاعل، ولكنها ليست اسم فعل مستقل عن الفعل والفاعل. ولا تعني فقط القدرة بل تعني أيضا التقدير وحسن الإدراك وميزان الأمور والتخطيط والاعتدال في النسب، مما يدل على أن القدرة ليست فقط قوة مشخصة خارج الطبيعة، بل إنها تقدير في الطبيعة وتقدير من الإنسان للطبيعة.
112 (4) الحياة
هي ثالث صفة في الثلاثي بعد استقرار نسق الصفات وإن اضطرب مكانها في البداية بين الثلاثي والرباعي.
113
وقد لا تظهر الحياة على الإطلاق لأنه لم تكن هناك مخاطر عليها.
114
وقد لا تظهر إلا في عبارة يختتم بها السمع والبصر (الإدراكات) في أمر الرباعي والسباعي معا.
115
وقد تظهر في الثلاثي بعد القدرة والعلم.
116
ولكن الغالب ظهورها نظرا لأهميتها غير المتوقعة في أول السباعي والثلاثي معا.
117
ويجمع القدماء على أن الحياة شرط العلم أو شرط العلم والقدرة معا، فلا يوجد عالم إلا حي، ولا يوجد عالم قادر إلا كان حيا. وأحيانا تمتد الحياة فتصبح شرطا للرباعي أيضا. فالحياة شرط الإدراك كالسمع والبصر. وقد يوجد الشرط دون المشروط، ولكن لا يمكن وجود المشروط دون الشرط.
118
يستحيل وجود الفعل من موات، وما دام الله فاعل الأشياء وجب أن يكون حيا. ولما ثبت بالدليل على أن الباري صانع قادر فاعل، وصح الفعل وقوعه من الميت فإن وقوعه من الحي أولى. الحي هنا من يشعر بنفسه ويعلم ذاته وغيره، العالم بجميع المعلومات القادر على جميع المقدورات. ويمكن تأسيس هذا الدليل على أساس الإحصاء والملاحظة والسبر والتقسيم. وذلك في الحقيقة هو قياس الغائب على الشاهد بدليل استعمال التشبيه بالحياة الإنسانية في عبارة «الواحد منا»، وقد تستعمل بعض الأدلة النقلية لإثبات الحياة ولإثبات أن الله حي.
119
ولكن ماذا تعني الحياة؟ نظرا لارتباط العلم والقدرة والحياة فقد تفيد الصفات الثلاث معاني بعضها البعض مما يدل على الوحدة بينها. كما تفيد كل صفة معناها على حدة مما يشير إلى التغاير بينها.
120
وقد لا ينطبق ذلك على الثلاثي وحده، بل ينطبق أيضا على السمع والبصر من الرباعي لما كانا طريقين للعلم ومظهرين للحياة. وقد يفيد إثبات الثلاثي إثبات الذات نظرا للتوحيد بين الذات والصفات.
121
ومع ذلك قد يفضل البعض تمايز المعاني بين الصفات الثلاث،
122
ولكن بالإضافة إلى التعريف بالشرط،
123
أو التعريف بالذات هناك عدة تعريفات أخرى تتراوح بين الصفة الأزلية والوظيفة العضوية. فالحياة صفة قديمة أزلية تطلق عليها الأحكام العامة الثلاثة للصفات. وقد تكون استحالة الضد أي الموت نظرا لأن الصفات هي قلب للأضداد. وقد تكون الحياة اعتدال المزاج النوعي أو قوة تنبع من ذلك الاعتدال. على أية حال الحياة شعور بديهي، كما يستتبع العلم والإرادة وكل مظاهر الحياة. والحياة كصفة أزلية هي حياة المطلق بلا مادة أو مضادة لحياة المادة، فهي الحياة الخالصة الطاهرة. وهو قلب للوضع الإنساني. فبما أن الحياة الإنسانية ملامسة للمادة، حياة البدن ، فالأشرف أن تكون حياة التأليه منزهة عن البدن.