77
وقد يدمج الدليلان معا في دليل واحد في عبارات إنشائية، ويكون أقرب إلى صور ذهنية للتقليد البدائي منه إلى البراهين العقلية عندما يقال مثلا إن الاتساق في الكون يدل على علم، والعلم يدل على العالم أو أن النظام في الكون يدل على القدرة، والقدرة تدل على القادر. إذ يقوم هذا اللون من التفكير على تفسير الظواهر الطبيعية بعلل خارجية، وهو ما يتنافى مع الفكر العلمي الذي يفسر الظواهر من داخلها. كما أنه يعمم الملاحظة إلى صفة مطلقة مجردة. فقدرة النار لا تمثل قدرة مطلقة، وعلم الحيوان أو الإنسان لا يمثلان علما مطلقا. وكل ما في العالم ملاحظات جزئية لا تسمح بالتعميم والتجريد، ثم التعامل مع صفات مستقلة عن العالم. كما أن ذلك تشخيص للقوانين وتحويلها إلى أسماء فاعل. فالقدرة قادر، والعلم عالم، وهي إحدى صور التفكير البدائي في تشخيص الظواهر.
78
والحقيقة أن العلم مثل إنساني أعلى يحققه الإنسان في ذاته، فإن استعصى تحقيقه فإنه يحوله إلى إله، لما كان الإله هو أقصى ما يتمناه الإنسان من غاية. فالتأليه حرص على الواقع كمثل في لحظة العجز عن التحقيق، والتمسك بالحق النظري إن ضاع الحق العملي، التمسك بالمبدأ في غياب الواقع.
79
ويتضح ذلك من تحليل لفظ «العلم» في أصل الوحي في الصيغة الفعلية وليست الاسمية. فالعلم فعل، أو صفة «عليم» أو «علام»، أو اسم بمعنى الوحي، أي العلم المعطى للناس وليس صفة لجوهر ثابت. وهو فعل مشترك بين الإنسان والله، يعلم الإنسان كما يعلم الله. وهو أمر بالعلم حتى يصبح الإنسان عالما كما أن الله عليم وعلام.
80 (3) القدرة
والقدرة ثاني صفة في الثلاثي، العلم والقدرة والحياة، وكأن العقل العملي تال للعقل النظري، وأن العمل لاحق على النظر وتحقيق له. وقد لا تظهر القدرة على الإطلاق لأنه لا توجد مخاطر عليها أو تشكيك فيها.
81
وقد تظهر القدرة مع الحياة كشرطين للعلم في حين أن العلم هو شرط الحياة والقدرة.
82
وقد تظهر على أنها رابع صفة في السباعي بعد الحياة والعلم والإرادة، بعد تقدم الإرادة عليها مما يحيي بصعوبة التفرقة بين القدرة والإرادة كما سيظهر ذلك في مبحث الخلق.
83
وقد تظهر على أنها أول صفة في الثلاثي والسباعي نظرا لأهميتها حتى على العلم، وهنا تكون الأولوية للعقل العلمي على النظري، وللعمل على النظر.
84
وعلى العكس قد تظهر القدرة على أنها آخر وصف في الثلاثي بعد أن يأخذ العلم مكانها وتتصدر الحياة.
85
ولكن بعد أن استقر النسق تظهر القدرة على أنها ثاني صفة في السباعي وفي الثلاثي معا دون ذكر للضرورة العقلية لهذا النسق وكأنه ترتيب محتمل كغيره حتى لو تغير ترتيب الصفات الأخرى كأن تكون الإرادة أوله والحياة آخره.
86
وقد تظهر القدرة عرضا مع القوة دون أن تكون مع الثلاثي بل يكتفي بالعلم والحياة. وقد تظهر أيضا بعد بعض صفات الرباعي مثل السمع والبصر مع صفات التشبيه وبعض صفات الأفعال مثل العزة والرحمة والأمر والنفس والذات والقوة والقدرة والأصابع. وقد تدخل أيضا مع صفات الانفعال المتعلقة بالإرادة مثل السخط والرضا والعدل والصدق والملك والخلق والجود والإرادة والسخاء والكرم، وبهذا المعنى تتسع صفة القدرة وتشمل كل شيء، بل وتتصدر العلم.
87
والقدرة صفة قديمة قائمة بذاتها، توجد بها الحوادث وبعدمها يستحيل ضدها وهو العجز. فهي إذن سبب الإيجاد وغيابها عجز يوجب العدم. أو هي صفة يتمكن بها الفاعل من الفعل والترك، أي وقوع الفعل عند توافر الدواعي، والإيجاب بالنسبة إلى ذات الفعل لا يمكنه من الترك. فالقدرة هنا أقرب إلى القدرة الإنسانية والبواعث والاختيار بين الفعل والترك توحي بالجبر والحتمية على الفعل حين توافر الدواعي. تعني القدرة إذن حصول التأثير من الله على سبيل القصد والصحة لا على سبيل الوجود، وكأن فعل الله نموذج الفعل الموجب القائم على البواعث والموجه بالقصد. ولكنها أصبحت عند المتأخرين القدرة على الخلق على الإيجاد وعلى الإعدام. فهي صفة تؤثر في الممكن الوجود أو العدم تتعلق بالمعدوم فتوجده كتعلقها بالموجود قبل وجوده، وتتعلق بالموجود فتعدمه. هذا التعلق «تنجيزي»، تعلق حادث، وله تعلق «صلوحي» قديم أي صلاحيتها في الأزل. القدرة صفة الإيجاد والإعدام لأن فعل العالم المريد فيما علم وأراد إنما يكون بسلطة له على الفعل ولا معنى للقدرة إلا هذا السلطان.