تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

74

ومع ذلك يثبت الحكماء العلم. فالواجب عالم لأنه مجرد، وكل مجرد عالم لأن التجرد يستلزم المعقولية والبراءة من الشوائب، وعلمه مجرد لا ينال إلا بالتجريد. العلم هو صور المعلومات القائمة بنفسها أو بذاته. أي أن الحكماء يثبتون العلم بدليل مزدوج مؤداه أن الله مجرد، وكل مجرد عاقل لجميع الكليات، وأنه يعقل ذاته وبالتالي فإنه يعقل ما عداه وهو دليل عقلي استنباطي صوري خالص. كما أشار الفلاسفة إلى دليل الإتقان نظرا لأن أفعال محكمة متقنة ، وبالتالي فهو عالم. المقدمة الأولى حسية، والثانية عقلية، ولكن الغالب عليهم كان الحجة الأولى.

75

والعلم عند المتكلمين صفة قائمة بذاته، تنكشف بها له جميع الأشياء من الواجبات والممكنات والمستحيلات. العلم انكشاف، وهو صفة كمال في الوجود، والانكشاف مقولة إنسانية خالصة توحي بجهل الشيء ثم علمه، وهو ما يستحيل على الله. أما تعريف العلم بأنه نسبة العالم إلى غيره فإنه أيضا يعتمد على كون الصفة غير الموصوف، وبالتالي الوقوع في مخاطر التغاير والتعدد على عكس العلم القائم بالذات. وبالإضافة إلى مشاركة المتكلمين للحكماء في الدليل العقلي إلا أنهم فصلوا الدليل الحسي إلى دليلين لإثبات العلم، دليل الإتقان ودليل القدرة. ويقوم دليل الإتقان على أن نظام العالم وحكمة الصنع يقتضيان إثبات العلم، وأن التأمل في المخلوقات لا بد وأن ينتهي إلى العلم بعلم الصانع، وكما هو واضح في عديد من الآيات في أصل الوحي. يبدأ الدليل بالتأمل في أحوال المخلوقات وفي تشريح الأبدان وفي مسار الأفلاك، وأن كل ذلك إنما يتم عن اختيار وتوجه وقصد، ولا يمكن أن يقوم ذلك إلا بالعلم، إذ لا يمكن التوجه وقصد ما ليس بمعلوم. ويقوم الدليل على أصلين: الأول نظام الكون واتفاق الصنع والثاني دلالة ذلك على الفعل المحكم وبالتالي عن كونه عالما، الأصل الأول اضطراري والثاني استدلالي. والاعتراض الأساسي على هذا الدليل هو وجود القبح والشر والفوضى في العالم وكيفية تفسير ذلك أو تبريره. فمثلا قد يكون خلق القبح لطفا في أداء الواجبات ودعوة لشكر النعم، وقد يكون ابتلاء وامتحانا واختبارا وشحذا للهمة وإعمالا للاختيار. والواقع أن هذا الدليل مثل الأدلة على إثبات الصانع تشخيص لنظام الطبيعة. فنظام العالم ناتج عن قوانين الطبيعة الثابتة التي يكتشفها العقل. وأن استعمال ذلك كدليل لإثبات عالم ذي علم مشخص هو استمرار في الخلط بين العقل والوجدان، بين الفكر العلمي والفكر الديني.

76

أما دليل القدرة فإنه في حقيقة الأمر أقرب إلى إثبات القدرة منه إلى إثبات العلم. ولكن نظرا لارتباط القدرة بالعلم في الثلاثي، فإنه لا يمكن إثبات العلم دون إثبات القدرة؛ لأن العلم واقع متحقق، ولا يمكن إثبات القدرة دون العلم وإلا كانت قدرة عمياء هوجاء لا قصد فيها ولا توجه، وهو ما يناقض الوعي التي تقوم الصفات به. يرتبط العلم بالقدرة، سواء من حيث الإثبات أو من حيث الوصف. فالعلم أوسع من القدرة لأن العلم يتعلق بكل الممكنات والواجبات والمستحيلات، في حين أن القدرة تتعلق بالممكنات وحدها. والحدث دليل على القدرة والأحكام في الحدث دليل على العلم، الأول يعرف بالضرورة والثاني يعرف بالاستدلال. فالقدرة والعلم كلاهما يثبتان كنتيجة لإثبات حدوث العالم. وليس في الشاهد ما يقضي ثبوت أحدهما دون الآخر، وليس فيه ما يؤدي إلى تعلق العلم الواحد بجميع المعلومات فحسب دون تعلقه بالمقدورات؛ لأن الأول يتعلق بجميع المعلومات الواجبة والممكنة والمستحيلة، في حين أن المقدورات تتعلق بالممكنة وحدها. والحقيقة أن ذلك أيضا تشخيص للمقدورات. فلماذا لا تكون الطبيعة فاعلة بنفسها ما دامت الطبيعة عاقلة، والعقل أحد مظاهر الوعي، وبالتالي يتطلب العقل المقدرة؟ فكل قادر عالم بالضرورة وإن لم يكن كل عالم قادرا نظرا لأن العلم أوسع نطاقا من القدرة.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٣٨