تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

88

والقدرة أول ما يعرف استدلالا من الصفات، فهو المحدث للعالم. فقد ثبت أنه صح منه تعالى وبالتالي يكون قادرا. والدليل على أنه عالم حي قادر إما الاضطرار أي البداهة أو الاستدلال. والحقيقة أن الدليل يجمع بين الاثنين، إذ لا يجوز أن تظهر الصنائع إلا من قادر حي، وهو دليل الاختراع الشهير الذي سيتحدث عنه الحكماء فيما بعد. أو هو دليل الإتقان والصنعة وهو دليل إثبات العلم. الدليل على كونه قادرا وجود المقدورات عن أول واتصافها بالجواز. فالإيجاد والاختراع لا يصحان من كل موجود، بل اختصاص تصور الاختراع ببعض الموجودات. وبالسبر يعرف أن الاختراع يشترط الحياة والعلم، ويمكن الاعتماد على قياس الغائب على الشاهد لإثبات ذلك. وقد يفصل الدليل ويركب على دليل الحدوث فتثبت القدرة بعد إثبات الحدوث . إذ يدل جواز الحادثات على كون بارئها قادرا. فالحدوث مقدمة لإثبات القدرة كصفة للذات كما كان مقدمة إثبات القدم كوصف لها. يعني الحدوث قابلية التأثير والفاعلية والترجيح. ويتم ذلك عن طريق الاختيار وليس عن طريق الوجوب بالذات كما هو الحال عند الحكماء في نظرية الفيض. ويبطل المتكلمون الوجوب بالذات دون القدرة لأنه يلزم من ذلك قدم العالم أو حدوث الله، وكلاهما باطل، أو استواء الأجسام في الماهية وبالتالي استواؤها في الصفات، والله ليس بجسم والعالم إحساس أو لوجب معلوما واحدا أو معلومات كثيرة، والأول باطل لعدم صدور الكثير عن الواحد أو يلزم عنه تغيرات لا يمكن أن تصدر عن الواجب بذاته. لو كان الله واجبا بذاته لا قادرا على ما يقول الحكماء للزم إما قدم العالم أو حدوث حوادث لا أول لها أو متعاقبة وكلاهما محال.

وفي صيغة أخرى إن لم يكن قادرا لزم إما نفي الحادث أو عدم استناده إلى المؤثر أو التسلسل إلى ما لا نهاية أو تخلف الأثر عن المؤثر والكل باطل، وبطلان اللوازم دليل على بطلان الملزوم. ويقوم الدليل على أصلين: حدوث ما سوى الله وأنه لا تجري به حوادث لا نهاية لها، وأن الحادث لا يستند إلى حادث مسبوق إلى ما لا نهاية. يرفض الأشاعرة إذن استناد القدرة إلى الذات أو بالإيجاب، فكلاهما باطل، ومع ذلك فهو قادر بقدرة قديمة أزلية قائمة بذات الرب متحدة لا كثرة فيها متعلقة بجميع المقدورات غير المتناهية بالنسبة إلى ذاتها أو متعلقاتها، وهي غير الإيجاد على نحو ما في التخصيص بالإرادة.

89

والتأثير في العالم - عند متكلمي الأشاعرة - ليس عن طريق الطبع أو العلة، كما هو الحال عند الحكماء والطبائعيين من المعتزلة، بل بالتأثير والاختيار. فلو كان بالطبع والإيجاب للزم قدم العالم أو حدوث الباري. ولما كانت العلة لا تتغير لزم أن يكون المعلوم كذلك، وبالتالي يتغير الباري. كما يلزم من عدم المعلول عدم العلة. ومع ذلك فهناك اعتراضات عدة على القدرة بالتأثير والاختيار. فالمؤثر في العالم إن استجمع الشرائط وجب الأثر وإلا كان فعله ترجيحا بلا مرجح. كما أن اقتدار القادر نسبة يتوقف على تمييز المقدور في نفسه وبالتالي يلزم الدور. والمقدور لا يخلو من وجود أو عدم والحاصل واجب وبالتالي ينتفي الممكن. كما أن الترك نفي عرض وعدم، وبالتالي لا يكون مقدورا. والواحد لا يصدر عنه إلا الواحد، والكثير إنما صدر بالوسائط عن الواحد على ما يقول الحكماء الكواكب هي المدبرات أمر الدوران والحوادث السفلية مع مواضعها في البروج وأوضاعها بعضها إلى البعض. وما علم أنه يكون واجبا، وما علم أنه لا يكون ممتنعا، والواجب والممتنع غير مقدور، والقدرة لا تكون إلا للممكن. كما أن القدرة تتعلق بأحد الضدين إما لذاتها فيستغني الممكن عن المرجح فيسد باب إثبات الصانع ويلزم قدم الأثر، وإما لذاتها فلا يحتاج إلى مرجح، وبالتالي تنتفي القدرة.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٤٠