68 (4) هل الصفة حال أو علة؟
وإثبات الأحوال هو أحد الحلول المتوسطة بين إثبات الصفات ونفيها. فالعلمية حال وليست صفة.
69
ويظهر الحال لأول مرة لحل مسألة إثبات الصفات أو نفيها على أنها أول قاعدة في إثبات الصفات وفي نفس الوقت أحد أسس نفي الصفات! والأحوال ليست أقرب إلى حكم الإثبات منها إلى حكم النفي لأن الحال وسط بين الوجود والعدم. فأصحاب الإثبات يجرون الحال نحو الإثبات، أصحاب النفي يجرونه نحو النفي.
70
والقول به ليس أثرا من النصارى بل يخضع لضرورة داخلية صرفة للاختيار بين أحكام الصفات وإيثار اعتبارها أحوالا، فلا هي ذاتية خالصة ولا هي موضوعية خالصة، بل إحالة متبادلة بين الذات والموضوع.
71
الصفات مجرد حالات شعورية يعبر عنها باسم الفاعل أكثر من كونها وجودا موضوعيا يعبر عنه باسم الفعل. الحال وسط بين الذات والصفة، بين العالم والعلم هناك العالمية، وبين القادر والقدرة هناك القادرية، وبين الحي والحياة هناك الحيية. ومع ذلك يكون الحال أقرب إلى اسم الفاعل منه إلى اسم الفعل، وأقرب إلى الذات منه إلى الموضوع. لا يتجاوز اسم الفاعل إلى إثبات موصوف مشخص أو ذات تكون حاملا له. فإذا لم تكن الصفات مساوية للذات كما هو الحال في نفي الصفات أو في خلقها، وإذا لم تكن زائدة على الذات كما هو الحال في إثبات الصفات أو قدمها، فإنها تكون أحوالا. الحال وسط بين نفي الصفة وإثباتها. الحال ليس هو الذات لأنه حال الذات، ولا هو الصلة لأنه غير مستقل عن الذات وحال لها. الحال مقولة إنسانية خالصة تعبر عن حال الشعور وتكشف عن أصل المسألة فيه. الحال إجابة عن سؤال إنساني صرف: هل العالم قد فارق الجاهل بما علم لنفسه أو لعلة؟ ولما كانت المفارقة ليست لنفسه مع كونها من جنس واحد كما بطل أن تكون المفارقة لا لنفسه ولا لعلة، فإنها تكون لكونه عالما لمعنى ما، والمعنى صفة أو حال. ومن ثم يكون الحال هو أساس المعنى والصفة. يظهر الحال إذن في ثلاثة مواضع: الأول الموصوف الذي يكون موصوفا لنفسه، فاستحق ذلك الوصف لحال كان عليها، والثاني الموصوف بالشيء لمعنى صار مختصا بذلك المعنى لحال، والثالث ما يستحقه لا لنفسه ولا لمعنى فيختص بذلك الوصف دون غيره عنده لحال. فعند اختصاص الشيء للموصوف لا لنفسه لأنه يوجب اختصاصه لجميع العلوم ولا لمعنى والمعنى لمعنى إلى ما لا نهاية ولا لنفسه ولا لمعنى لأنه ليس أولى من غيره يكون اختصاصه لحال.
72
ويستعمل لفظ «الأحوال» دون «الحالات» لأن الأحوال وسط بين الذات والصفات، لا هي نفي لصفات زائدة على الذات، ولا هي إثبات لصفات زائدة على الذات، في حين أن الحالات مجرد أحوال للنفس، أي حالات شعورية لا تفترض ذاتا كمشجب تعلق عليها نفسها. وقد ظهر الحال من قبل كوسط بين الوجود والعدم في نظرية الوجود في المقدمات النظرية. فالحال صفة غير موجودة ولا معدومة كالأجناس والفصول. وإذا كانت هذه القسمة ترجع إلى عاطفة دينية متطهرة، فإن الحال يكون هو المرجع لها. الوجود والعدم كل منهما حال، أي صفة أو حالة شعورية، ليس الوجود فقط هو الوجود الشيئي، بل هو حالة وجود. فالوجود إيجاد، وعملية وجود، والعدم إعدام أو عملية إعدام، وهنا تنتقل نظرية الوجود إلى تحليلات الشعور.
73
ويصعب تعريف الحال تعريفا منطقيا صرفا. ولكن يمكن وصفه بأنه ليس شيئا، ولا يوصف بصفة ما، لا موجودا ولا معدوما، لا يعلم على حاله، ولكن يعلم مع الذات، يوجد حيث توجد صفات الحياة لا صفات الأكوان، فالحال شرط الحياة. ويمكن ضبطه عن طريق القيمة، فمنه ما يعلل ومنه ما لا يعلل، الأول أحكام لمعاني قائمة بالذوات والثاني صفات ليست أحكاما لمعاني لا تعلم بانفرادها ولا تعلم إلا مع الذات. الحال إذن نوع من إثبات حالة خاصة لا هي علم ولا معلوم، لا مجهول ولا معلوم، لا مقدور ولا مراد، حالة شعورية خالصة قبل أن تتحول إلى موضوع وبعد أن تعين الوعي الخالص في إحدى درجاته الأولى.