تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

74

وهو أقرب إلى البداهة إذا فهم على أنه حالة شعورية يتحد فيها الذات والموضوع. فالعلم حالة شعورية للعالم لا هو شخص العالم ولا هو صفة زائدة عليه، وبالتالي يكون الخلاف حول إثبات الأحوال أو نفيها مجرد وهم عقلي.

75

ومع ذلك فقد استعمل كفريق من مثبتي الأحوال ونفاتها حججا عقلية منطقية أو جدلية إما للإثبات أو للنفي. يقوم النفي على عدة حجج منها: أن الأحوال غير معلومة؛ لأن المعلوم شيء والأحوال ليست أشياء. وكيف يمكن معرفة الحال وهو غير معلوم؟ والحقيقة أن الحال إن لم يكن معلوما عقلا ومنطقيا، فإن صاحب الحال يشعر به، فالشعور أحد درجات المعرفة قبل أن يتم تنظيرها عقلا. بل إن الشعور يمتاز بأنه يبقى على الموضوع مع رؤية ماهيته، في حين أن العلم قد يقضي على الموضوع في سبيل التصور. ويقال أيضا إن الأحوال ليست متغايرة لأن التغاير بين الأشياء. فهي ليست معاني ولا مسميات مضبوطة ولا محدودة متميزة عن بعضها البعض، وبالتالي فهي عدم. ولا تكون التسمية إلا شرعية أو لغوية أو اصطلاحية وهي ليست كذلك. الأشياء تختلف وتتماثل لذواتها، أما أسماء الأجناس والأنواع فيرجع عمومها إلى الألفاظ المدلة عليها وكذلك خصوصها والأحوال ليست كذلك. خطأ نفاة الأحوال إذن هو رد العموم والخصوص إلى الألفاظ المجردة، أو الحكم بأن الموجودات تختلف بذواتها ووجودها، وكذلك رد التمييز بين الأنواع إلى الذوات. الاختلاف والاتفاق بين الذوات لا يشترك في شيء مثل الصفة، بل الشيء هو اللفظ الدال على الجنسية والنوعية والعموم، فإذا كانت الأحوال إما مختلفة أو متماثلة فإنها تتسلسل إلى ما لا نهاية لأنها ليست أشياء. وعند الحكم بجواز تماثل المختلفين يلزم كون الرب مماثلا للخلق وهو محال. والحقيقة أن ذلك خلط بين الكم والكيف. فالأحوال كيفيات وليست كميات، والألفاظ مجرد تعبير عنها ولا تشير بالضرورة إلى مسميات. وهي فردية وليست شيئية، وبالتالي لا يمكن معرفة اتفاقها واختلافها إلا بالتعاطف مع الآخرين أو في تجارب جماعية مشتركة. ويقال أيضا إن الأحوال موجودة أو معدومة، قديمة أو محدثة، والوجود ليس بحال. فالحال إما أن يكون موجودا أم لا. فإذا كان موجودا إما أن يكون جوهرا أو عرضا فيتسلسل فوجب أن يكون غير موجود أو عدم ولا واسطة بين الوجود والعدم. والحقيقة أن الحجة تقوم على موقف فلسفي مسبق، وهو رفض الواسطة بين الوجود والعدم، بين النفي والإثبات، في حين أن الحال هو هذه الواسطة، وقد تم حل القضية من قبل في نظرية الوجود. وقد يقال إن الأحوال لا هي ولا غيره، والصفات لا هي ولا غيره، وبالتالي لا يتميز وجودها بشيء. والحقيقة أن الأحوال هي الصلة بين الذات والصفة، بين الأنا والغير، بين الذات والموضوع. الحال هي علاقة الهوية في حالة الحركة الذاتية والتخلق الذاتي. وقد تفند الأحوال برفض العلم النفسي، إذ إن الأحوال عمومات وخصوصات ووجوه عقلية واعتبارات. والحقيقة أن العلم النفسي هو أصل العلم العقلي والعلم الحسي. ففي الشعور يلتقي الذات بالموضوع، والمعرفة بالوجود. وإن نفي الحال لضرورة التمايز بين الأشياء بذواتها يستحيل بعده قياس الغائب على الشاهد، وهو أساس الاستدلال في الفكر الديني، ولا يكفي في ذلك مجرد الاعتماد على الوجوه والاعتبارات العقلية مثل العلة والمعلول والدليل والمدلول؛ لأنها كلها استدلالات صورية لا تعتمد على الحس. وإذا لم يكن هناك فاعل في الحقيقة بل مجرد مكتسب فكيف يمكن قياس الغائب على الشاهد؟ والاعتماد على الإحساس الداخلي هو في النهاية إثبات للحال. ولا يمكن في النهاية فهم الحجج العقلية التي تقوم على القسمة وحصر الاحتمالات وإبطالها جميعا باستثناء المطلوب إثباته إلا بالرجوع إلى التجربة الحسية التي منها نشأت، وهو أيضا طريق لإثبات الحال.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٢٢