تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

63

والجمع بين الزيادة والمساواة، أي بين الغيرية والهوية، مثل أن يقال عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة وقدرته ذاته، حي بحياة وحياته ذات، مثل إثبات الصفات ثم نفيها، تحصيل حاصل، خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، إقدام وإحجام مثل جسم لا كالأجسام أو شيء لا كالأشياء تعبر عن توتر الشعور بين قطبي التشبيه والتنزيه.

64

والحقيقة أن هذا الحكم بالزيادة والمساواة، بالغيرية والهوية، يقوم على طبيعة الذهن وتعريفه للأشياء عن طريق إثبات هويتها أو اختلافها مع بعضها البعض، وهي قسمة تعادل الإثبات والنفي. فالمساواة نفي أن يكون الشيء هو غيره، والزيادة إثبات أن الشيء هو غيره. ومع ذلك، فإن وضع التأليه في هذه القسمة الذهنية ينال منه بصرف النظر عن الحل المختار، فالزيادة أو المساواة نظرة كمية للذات الإلهية أي للوعي الخالص في حين أن التنزيه يقتضي تصورها على أنها كيفية محضة. التنزيه كيف والتشبيه كم. وهما يفترضان التركيب والقسمة في الذات، في حين أن التنزيه يقتضي بساطتها. ويكون إثبات المساواة أقرب إلى التنزيه لأنها إثبات للبساطة. كما يفترضان الكثرة والتعدد في الذات في حين أن التنزيه يقتضي الوحدة. كيف يكون للذات صفات، ثلاثا أم أربعا أم سبعا أم تسعا وتسعين أم عددا لا نهائيا من الصفات وهي ذات واحدة؟ ولكن بغية التقريب، يكون إثبات المساواة أقرب إلى التنزيه نفيا للكثرة وإثباتا للوحدة، وتكون الزيادة أقرب إلى التشبيه إثباتا للكثرة ونفيا للوحدة.

ومع ذلك فقد تنبه القدماء والمحدثون معا إلى خروج هذه الأحكام عن أصل الوحي وأنها تفريعات إضافية، أو تمرينات عقلية إنسانية صرفة.

65

فإذا كان العقل عند القدماء قاصرا عن الغوص في هذه الأسرار فإن تحليل التجارب الإنسانية يستطيع الكشف عن أساسها في الشعور وبنيتها في الذهن. إذ ترجع مشكلة الذات والصفات إلى قسمة الذهن الأشياء إلى جوهر وعرض. فكما أن الجوهر حامل للأعراض تكون الذات حاملة للصفات. وقسمة الأشياء إلى جوهر وعرض قسمة ذهنية يسقطها التصور مرة في الإلهيات، ومرة في الطبيعيات، ومرة في الإنسانيات، في الأفعال.

66

الصفات إذن مجرد أسماء عبر الشعور الناطق عن عملية التنزيه وعن حالاته دون أن يشير بها إلى أي مضمون شعوري أو إلى أي وجود واقعي. فكل الصفات هي في الحقيقة أسماء أو ألفاظ صاغها الشعور للتعبير بها عن عملياته. هي أقوال أو عبارات تدل على موقف ذاتي خالص تعبر عن أماني وعواطف إنسانية دون أن تشير إلى شيء في الواقع.

67

لكن نظرا لشدة العواطف وصفاء التنزيه تخلق الكلمة الشيء، وتتحول الذاتية إلى موضوعية تحولا ذاتيا افتراضيا خالصا وليس تحولا حقيقيا بالفعل. والحقيقة أن مشكلة الذات والصفات (والأفعال) لا يمكن حلها إلا بالرجوع إلى مصدر المشكلة في الحياة الإنسانية على مستوى التجربة الشعورية لا على مستوى الافتراض بالخيال. فالقسمة إلى ذات وصفات لا تصف شيئا في الواقع، بل تعبر عن قسمة إنسانية خالصة موجودة في الحياة الإنسانية، ثم استعملها المتكلم كوسيلة للتعبير عن عواطف التأليه. ولما كان الذهن الإنساني في الحكم يقوم على الهوية والاختلاف، أصبح السؤال: هل الصفات عين الذات أم زائدة على الذات؟ وبصرف النظر عما يتضمن اختيار أحد الحلين بالنسبة إلى التنزيه والتشبيه أو بالنسبة إلى الحرية والجبر أو بالنسبة إلى استقلال الطبيعة أو تبعيتها، فإن بناء المشكلة ذاته بناء إنساني أسقطه الإنسان إلى أعلى كي يسمح له بالتعبير عن عواطف التأليه. ففي علم الشخصية هناك ما يسمى بالشخصية وسماتها. الشخصية هي الحامل المعنوي لسماتها، أو هي افتراض إنساني خالص يسمح بتجميع عديد من السمات والأفعال عليه كالنواة في الذرة التي تدور حولها الكهربات أو كلب الزهرة الذي تدور حوله الأوراق، علاقة المركز بالمحيط. وفي علم الأخلاق في تراث معاصر لنا خرجت مذاهب أخلاقية تقوم على الذات أو الشخص كقيمة مستقلة بذاتها بصرف النظر عن صفاتها وأفعالها. فالإنسان من حيث هو إنسان قيمة في ذاته والصفات زائدة عليها . وكيف يمكن تقييم الكل بالجزء؟ وفي تجربة الحب الإنساني تظهر مسألة الذات والصفات. هل يقوم الحب بناء على اعتبار الذات وحدها بصرف النظر عما للحبيب من صفات وأفعال، أم أن الحبيب هو مجموعة من الصفات والأفعال لأجلها صار حبيبا، فإذا ما تغيرت تغير الحب؟ الحب القائم على الذات بصرف النظر عن الصفات والأفعال حب مجرد منزه، يعتبر الصفات والأفعال زائدة على الذات، في حين أن حب الصفات والأفعال قائم على التوحيد بين الذات والصفات وعدم افتراض ذات وراء الصفات أو اعتبار صفات زائدة على الذات. وفي موقف الخصام يسهل الفصل بين الحبيبين في حالة حب الصفات والأفعال. ما دامت الصفات والأفعال قد تغيرت فإن الحب يتغير أو ينتهي. في حين أنه في حالة حب الذات المستقلة عن صفاتها وأفعالها لا يمكن الفصل بين الحبيبين لأن حب الذات مستقل عن الصفات والأفعال. ومهما تغيرت الصفات والأفعال يبقى الحب، حب مجرد منزه، حب للذات الخالدة. وفي القانون الجنائي يقوم الحكم بالإعدام على افتراض أن الذات مساوية للصفات والأفعال. فإذا كانت الصفات والأفعال خارجة على القانون، فإنه يقضي على الذات بإعدامها لأنه لا توجد ذات وراء الصفات والأفعال. ويقوم نفي الإعدام على افتراض أن الصفات والأفعال زائدة على الذات، وأنه مهما بلغت الصفات والأفعال من خروج على القانون إلا أنه لا يمكن القضاء على الذات لأن الذات قيمة مطلقة لا يمكن مساواتها أو معادلتها بما هو أقل منها، أي صفاتها وأفعالها. والتوحيد بين الذات والصفات وإنكار وجود صفات وأفعال زائدة على الذات يقوم على العدل دون الرحمة. ففي مواقف الحب أو العقاب معاملة الحبيب أو المذنب على أن ذاته مساوية لصفاته وأفعاله معاملة تقوم على العدل دون الرحمة. لذلك يحب الحبيب أو يخاصم ويعاقب المذنب. في حين أن الفصل بين الذات والصفات وإثبات ذات وراء الصفات والأفعال يقوم على الرحمة دون العدل. ففي مواقف الحب أو العقاب مهما تغيرت صفات الحبيب لدرجة الصفات المضادة، فإنه لا يمكن أن يهجر؛ لأن له ذاتا مستقلة . ومهما بلغت صفات المذنب وأفعاله من استهجان، فإنه لا يمكن أن يعدم لأن له ذاتا مستقلة. ويقوم تصور العدل والرحمة في الآخرة أيضا على هذا الأساس. فالعدل يقوم على اعتبار أن الذات هي عين الصفات، ومن ثم يتم تقييم الذات حسب صفاتها وأفعالها، في حين أن الرحمة تقوم على أن الذات مستقلة عن الصفات والأفعال، وأنه بالرغم مما قد يكون للذات من صفات وما تأتي به من أفعال فإنه لا يمكن تقييمها بها، وإصدار الحكم عليها.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٢٠