تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58

قد يكون عالما بنفسه ولكنه لا يكون قادرا بنفسه. العلم غير القدرة. فإثبات القدرة إثبات للفاعلية في العالم بالرغم من خطورة اصطدامها بحرية الإنسان وخلق الأفعال. وقد يثبت الكلام زائدا على الذات نظرا لأنه جسم حسي، كلام مكتوب ومقروء وليس صفة معنوية تتعلق بالذات. فإذا كان الله مريدا لذاته قادرا لذاته، فإن أفعاله ستكون منعكسة على ذاته، وبالتالي تفسح المجال إلى أفعال الإنسان في العالم وحرية الاختيار. وهذا لا يعني وقوع تناقض في الأفعال أو تعلق الإرادة بمرادين مختلفين، وذلك لأن الإرادة صفة ذات وليست صفة فعل. إن إثبات الإرادة وليس نفيها هو الذي يضحي بحرية الأفعال. فالإرادة شاملة بشمول الذات، شمولها نظري وليس عمليا حتى يمكن للإنسان أن يحقق إرادته في العالم.

59

وهناك حجج نقلية أيضا لإثبات أن الصفات عين الذات. والحقيقة أن الدافع على اختيارها وقراءتها هو دافع عقلي خالص. فالعقل هنا هو الذي اختار النقل وقرأه. هذا بالإضافة إلى إمكانية اختيار نقل آخر معارض أو تأويل النقل الأول تأويلا مضادا بدافع آخر إن لم يكن عقليا فإنه يكون سياسيا. والآيات كلها تتحدث عن «السميع» و«البصير» وليس عن السمع والبصر، أي أن الصفات للذات دون أن تكون زائدة عليها.

60

أما الحجج العقلية فإنها تعتمد على نفي الشرك والتعدد والتغاير في الذات. لو كان له علم قديم لكان مشاركا للذات في القدم وذلك يقتضي تماثلهما، وألا يكون أحدهما أولى بالذات أو الصفات من الآخر، فيلزم القول بقدماء متعددة وإثبات القدماء كفر مثل النصارى. القديم ذات واحدة، ولا يجوز إثبات ذوات قديمة متعددة، والدليل على ذلك كونه عالما قادرا حيا وليس على علم وقدرة وحياة. الله بجميع صفاته واحد، وجميع صفاته قديم غير محدث. وإثباتا لعدم التغاير امتنع مثبتو الصفات أيضا عن تسميتها مغايرة للذات. فالمتغايران موجودان يفارق أحدهما الآخر، أي جسمان. سؤال التغاير في الله لا محل له، فالله واحد بجميع صفاته. الصفات غير قائمة بذاتها بل بالذات. ويشارك الفقهاء المعتزلة والحكماء في الدفاع عن التوحيد وإثبات الوحدانية ورفض التعددية والشرك دون ما خوف من الأشعرية، فهي ليست مذهبا قدسيا يستعصى على النقد.

61

كما أن إثبات الصفات زائدة على الذات يوجب أن يكون علم الله مماثلا لعلمنا. فإما أن يكون علمه محدثا كعلمنا أو يكون علمنا قديما كعلمه. لو كان عالما بعلم لوجبت المماثلة، والمماثلة إما قدوم أو حدوث. لو كان عالما بعلم لتعلق علمه وعلمنا بشيء واحد، فيلزم التماثل حدوثا وقدما، وبالتالي لزم تحيز العلم وتحيز العالم في جسم متحيز.

62

ويؤدي ذلك إلى نفي القدرة. فالقدرة مشتركة في الشاهد فيعدم صلاحيتها لخلق الأجسام. والحكم المشترك يجب تعليله بالعلة المشتركة، ولا مشترك سوى كونها قدرة، فلو كان لله قدرة لم تصلح لخلق الأجسام، قياسا للغائب على الشاهد. ولما كانت الصفات واجبة فإنها تستغني في وجوبها عن العلة. العالمية واجبة والوجوب يستغني عن العلة. العالمية والقادرية واجبة لا تحتاج إلى الغير. وأخيرا تصاغ بعض الحجج الجدلية اعتمادا على القسمة، فلو كان عالما بعلم فإما أن يكون عالما بعلم واحد أو بعلوم منحصرة أو بعلوم لا نهاية لها. ولما كان ما لا يتناهى محال، وكان الانحصار نقصا يكون العلم واحدا لا يتعلق بغيره. العالم بما لا نهاية يلزم علوما غير متناهية، والعلم بعلم يلزم التسلسل، ولو كان ذات علم لكان فوقه عليم:

وفوق كل ذي علم عليم . أو يقال مثلا لو كان عالما بعلم لكان لا يخلو إما أن يكون معلوما أو لا يكون، فإن لم يكن معلوما لم يجز إثباته وإن كان معلوما إما أن يكون موجودا أو معدوما. ولا يجوز أن يكون معدوما. وإن كان موجودا فإما أن يكون قديما أو محدثا، وكلاهما باطل. فلم يبق إذن إلا أنه عالم لذاته. وبعبارة أخرى إما أن يكون العلم غيره أو لا، فإن كان غيره فهو محدث أو قديم، وكلاهما فاسد. أما الفلاسفة فقد استعملوا حجة الكمال. فلو كانت له صفة لافتقرت إلى الذات وتكون ممكنة في حاجة إلى مؤثر هو الذات والقابل فتكون الذات قابلا وفاعلا، علة ومعلولا، وهو محال. وفي هذه الحالة ينقسم الله إلى واجب الذات وممكن الصفات.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١١٩