تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

والحقيقة أن إثبات الصفات بناء على أنه لا موصوف بلا صفة تشبيه إنساني خالص وفرض مقولة إنسانية على الشعور بالتنزيه، إن لم يكن وقوعا مباشرا في التشبيه الحسي. علاقة الصفة بالموصوف علاقة الدليل بالمدلول على مستوى العقل الخالص.

لا يكفي فقط إثبات الصفات، ولكن لا بد أيضا من إثبات تغايرها فيما بينها وتمايزها عن الذات. فما يفهم من كل صفة غير ما يفهم من الصفة الأخرى. وتغاير الصفات دليل على وجودها، وكون كل اسم يفيد معنى غير الاسم الآخر دليل على وجود مسميات متغايرة. ولو كان العلم نفس القدرة لكان كل معلوم مقدورا، وهذا مستحيل لأن الواجب والممتنع معلومات وغير مقدورة. ولو كان العلم والقدرة نفس الذات لكان العلم نفس القدرة في حين أن المفهومين مختلفان.

50

كما تثبت الصفات لأن مظاهرها موجودة في الأفعال، والأفعال تحدث في العالم، فكيف يوجد فعل علم في العالم بلا علم؟ وكيف يوجد فعل قدرة في العالم بلا قدرة؟ العلم علة العالم، والقدرة علة القادر، والحياة علة الحي، فصلة اسم الفاعل باسم الفعل هي صلة المعلول بالعلة.

51

والحقيقة أن خطورة إثبات الصفات تختلف باختلاف كل صفة وأخطرها القدرة والإرادة؛ لأنها تتعلق بالمقدورات والمرادات وبالتالي تمثل خطورة على حرية الأفعال. فإثبات القدرة والإرادة الشاملتين يوجبان أساسا قدرة الإنسان وإرادته على خلق الأفعال وحرية الاختيار. وإذا ثبتت صفة تثبت بالضرورة باقي الصفات. فما دام الكلام ثابتا، وهو الوحي المقروء المسموع، فلم لا يثبت العلم أو القدرة أو الحياة؟ وهنا يبدو الدليل صاعدا من الحسي إلى العقلي كما يفترض أن الكلام حسي وليس صفة عقلية كباقي الصفات، وبالتالي فهو محدث مخلوق وهو ليس موقف الأشاعرة مثبتي الصفات.

52

كما أن إثبات الصفات ضرورة لإثبات الأسماء، إذ إن نفي الصفات يؤدي إلى نفي الأسماء. فالأسماء أحد تعينات الذات كالصفات على نحو أبرح وأشمل وأكثر اتساعا وانتشارا.

53

وإثبات الصفات ضرورة من ضرورات الشرائع، فالشريعة تدل على علم كما يدل الكلام عليه. والحقيقة أن الشريعة نظام واقعي وضعي ولا تعني بالضرورة الإشارة إلى صفة للذات المشخصة. أساسها في الواقع، وهدفها إقامة مصالح الناس بصرف النظر عن مصدرها ودلالتها على وجوب ذات مشخصة أو على إثبات صفاتها.

54

وتدخل حجة القدم في إثبات الصفات عن طريق إثبات العلم بالأشياء قبل كونها. والحقيقة أن ذلك إحالة للصفات السبع إلى الأوصاف الستة وقياس العلم على القدم وتظل مسألة باقية. فإذا كان القدم عين الذات كان العلم كذلك.

55

وأخيرا يقتضي الكمال إثبات الصفات، فالذات بلا صفات نقص.

56

والحقيقة أن هذا تشبيه إنساني خالص، فالوعي الخالص وعي كامل لأنه وعي نظري مستقل، وحدانيته لا تعدد فيها، بل إن إثبات الصفات هو الذي يجعل الذات ناقصة في حاجة إلى إكمال بالصفات.

أما حكم المساواة أو الهوية، مساواة الصفات للذات أو هوية الذات مع نفسها، فهو في الحقيقة إحدى طرق نفي الصفات. فالتوحيد بين الذات والصفات أعلى درجة من درجات التوحيد بإثبات الوعي الخالص دون أي شائبة أخرى توحي بالاشتراك وبإثبات العلم المستقل دون أية شبهة أخرى للتشخيص. وبالتالي يصبح الباري مجموعة من المبادئ العامة والقيم المطلقة كرد فعل على تشخيص الذات وتشبيهها دون أن يكون هناك كائن مشخص وراءها. وقد شارك الحكماء والمعتزلة في نفي الصفات. فالكلام عندهم مجرد أصوات يسمعها النبي لا وجود لها في الخارج في اليقظة أو في النوم أو رؤى يراها ما إذا أضيفت في نفسه. ولا شأن للكلام بذات الله أي الكلام القديم الذي يتحدث عنه الأشاعرة. الكلام ظاهرة نبوية وليس إلهية.

57

وقد ينفي بعض الصفات ويثبت البعض الآخر. فينفي العلم مثلا كصفة زائدة على الذات وتثبت الإرادة دون محل ويثبت الكلام في محل.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١١٨