تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41

وقد يهتز النسق العقائدي في أحكام الصفات من النفي والمساواة والحدوث في مقابل الإثبات والزيادة والقدم إلى إثبات صفات زائدة على الذات ومع ذلك تكون حادثة.

42

ويمكن إثبات قدم الصفات والتوقف في مغايرتها للذات أو في توحدها مع الذات، فالحلان غير مرضيين. فيتم رفضهما معا وإلغاء المشكلة وهو أقرب إلى التوقف مما يدل على القصد إلى العودة إلى العالم، واكتشاف الاغتراب دون التحول عنه، واكتشاف الزيف دون التوجه الفعلي إلى الشرعي.

43

ويغيب النسق العقلي للأحكام الثلاثة نظرا لأنها كلها تمرينات عقلية وليست استدلالات أو أحكاما منطقية، تعبر عن توتر قطبي الشعور بين التشبيه والتنزيه. فإثبات الزيادة ينتج عنه إثبات الحدوث خشية الوقوع في الشرك مع أن النسق هو إثبات الزيادة مع القدم. وأحيانا يكون إثبات قدم الصفات أولى من إثبات علاقة الزيادة أو المساواة فيلغى الحكم الثاني من الأساس. وأحيانا يثبت قدم الصفات دون الزيادة إيثارا للوحدة على التعدد، ودفعا لشبهة كثرة القدماء وتعدد الآلهة. وبالرغم من إثبات الصفات وإثبات قدمها فإنه يمكن إثبات وحدتها مع الذات ووحدتها مع نفسها محافظة على الوحدة في الألوهية، وبالتالي يثبت قدم الصفات دون مغايرتها للذات.

44

وأحيانا يتم وضع كل ذلك في إطار المجاز باستعمال التأويل أي العودة إلى نشأة المسألة في الشعور واكتشاف دلالاتها الإنسانية ووجوهها الاعتبارية، وأن ذلك كله ليس على الحقيقة بل على محض التصوير.

45

ويختار العلم كصفة مفضلة لإثباته زائدا على الذات حتى لا يتكرر الإثبات لجميع الصفات، فهو أولى الصفات، وما ينسحب عليها ينسحب عليها كلها. كما أن العلم هو الأصل والشروط وباقي الصفات مؤسسة عليه ومشروطة به.

46

ولكن بالرغم من إثبات أن العالم يعلم بعلم واحد، قائم بذاته، قديم أزلي، متعلق بجميع التعلقات وإثبات القدرة كصفة زائدة تبدو بعض الصعوبات في تعميم ما يقال على العلم عن باقي الصفات. فإذا كان الله عالما فكيف يكون مريدا لنفسه؟

47

والحجج النقلية لإثبات الصفات زائدة على الذات ممثلة في العلم كثيرة. ولكن الحجج النقلية لإثبات الصفات مساوية للذات أيضا كثيرة، ويمكن قلب حجج الزيادة إلى حجج مساواة عن طريق التأويل.

48

كما أن الموضوع لم يأت من استنباط معان من النصوص بل يعبر عن مقتضى التوحيد، أي أنه مطلب ذهني خالص لا يثبت إلا بالحجج العقلية، خاصة وأن النقل ظن والعقل يقين كما بان ذلك من نظرية العلم.

الحجج العقلية إذن ضرورية لإثبات الصفات، العلم أو القدرة لأن براهين إثبات الصانع تثبت فقط أنه موجود قديم في مقابل العالم الحادث، وذلك في حد ذاته يدل على أن العلم والقدرة صفات زائدة على الذات. فكما أنه لا يوجد آمر بلا أمر أو مريد بلا إرادة، فكذلك لا يوجد علم بلا عالم. دلالة الفاعل على الفعل إذن أمران: الأول لو انتفت الصفة لانتفى الموصوف، والثاني لو انتفت الصفة لكان نفس العلم هو العالم. العالم في حاجة إلى تعليل بالعلم، فكل ذات له موضوع، وكل شعور هو شعور بشيء، والعلم المتعلق بالمعلوم غير العالم. ما دام العلم هو نسبة، والعلوم وهي المسماة بالشعور والعلم والإدراك، فهو أمر زائد أو صفة حقيقية تقتضي هذه النسبة أو توجب حالة أخرى هي العالمية التي توجب تلك النسبة والتي يسميها المتكلمون التعلق. وبصرف النظر عن درجات وجود العلم، حال، نسبة، تعلق، فإنها زائدة على الذات، ومن هنا تأتي الحاجة إلى الدليل لإثبات الصفات. ولما كان العلم نسبة مخصوصة وكذلك القدرة وسائر الصفات، في حين أن الذات موجود قائم بالنفس وليس نسبة، وجب التمايز والتغاير بين الذات والصفات. لو كانت الصفات عين الذات لما أمكن حملها على ذاته في علاقة موضوع بمحمول، وكان قول الله واجب بمثابة حمل الشيء على نفسه. وقياسا للغائب على الشاهد، فإن العلة والحد والشرط لا تختلف غائبا أم شاهدا. والفرق بين الذات والذات عالمة، هو الفرق بين التصور والتصديق وذلك يوجب التغاير بين الذات والصفات. ما يفهم من عالم أن له علما. والعاقل يعقل ذاته ويعقل حالته ووصفه بعد ذلك. هناك موصوف وصفه. ولكن نظرا لتركيز اللغة استغنينا عن الصفة واكتفينا بالموصوف اختصارا. وقد تأخذ الحجة صيغة جدلية، فإما أن يكون عالما بنفسه أو يعلم ويستحيل أن يكون هو نفسه. فإن كان عالما بنفسه كانت نفسه علما، ويستحيل أن يكون العلم عالما والعالم علما. فالصفات إذن زائدة على الذات. وتستعمل نفس الحجة بالنسبة للقدرة والحياة والسمع والبصر وباقي الصفات.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١١٧