64
ويأخذ دليل التمانع صيغة عملية وتظهر صفة القدرة. فلو لم يكن الله واحدا لزم أن لا يوجد شيء من العالم للزوم عجزه. الوحدانية هنا تعني القدرة ونفي الشرك العملي واشتراك مؤثر أو مرجح آخر. البرهان على الوحدانية في الخلق. كل شيء فيه يدل على أنه الواحد ولا يخلق الله شيئا إلا كان دليلا على وحدانيته. وبالتالي يقترب البرهان الطبيعي من البرهان العقلي. وهذا الدليل أقرب إلى إثبات الصانع قادرا أكثر منه واحدا. يثبت صفة القدرة أكثر من إثباته وصف الوحدانية.
65
وقد يأخذ الدليل صفة الكمال، فالله واحد تعني أن الله كامل، فالوصف يثبت بالصفة، والأوصاف تستنبط من الصفات. ويقتضي الكمال نفي التبعيض والتجزئة، أي المعاني المضادة للوحدانية. كما يتضمن إثبات العلم والقدرة والحياة كصفات متضمنة في صفة الوحدانية مع أن الأولى مجرد تعريفات عن طريق النفي الأصلي والثانية ليست من مستلزمات الوحدانية كتصور مجرد.
66
والحقيقة أن هذه الصياغات المتعددة لدلالة التمانع أقرب إلى الأقاويل الخطابية منها إلى البرهان، لذلك سميت دلالة وليست دليلا، أي مجرد فكرة وإحساس وجداني وليست برهانا. وهي أقرب إلى الخطابة الإقناعية، تقوم على العادات والمشاهدات ومجريات الأمور. كما أنه أقرب إلى التمرين العقلي المنطقي الذي يقوم على عواطف التأليه. فالقسمة العقلية الجامعة تستبعد من الأساس كل الاحتمالات المضادة ولا تبقى إلا على ما تقتضيه عاطفة التأليه وهو المؤله الشخص القادر. كما أنه يقوم في النهاية على تجريد للأدلة النقلية ومعان عامة للآيات دون صياغات منطقية محكمة.
67
وقد اتفق جميع الموحدين على دليل التمانع، أي استحالة وجود إلهين لكل منهما خصائص الألوهية. حتى الثنوية التي أثبتت إلهين قديمين، فإنها تثبت لأحدهما ما لا تثبت للآخر من كل وجه. وحتى الفلاسفة الذين قالوا بأزلية العقل والنفس وسرمدية الحركة لم يثبتوا للمعلول خصائص العلة. وواجب الوجود لذاته لا يجوز أن يكون أجزاء كمية ولا أجزاء ذات قول ولا أجزاء ذات فعل ووجود. فهو واحد من كل وجه. لذلك نفوا الصفات، وإن أثبتوها فبمعنى آخر ينفي التعدد والشركة والتركيب. منع الحكماء وجود إلهين لاستحالة وجود واجبي الوجود، كما أن الوجوب هو المقتضي للتعين، فيمتنع التعدد.
68
والصابئة أثبتت الروحانيين والهياكل أزلية مدبرة للعالم وسموها أربابا إلا أنهم لم يصفوها بخصائص رب الأرباب. يتوجه دليل التمانع فقط على من يثبت خالقا دون الله، أي صفة الخلق وحدها، إذ إن أخص وصف لله الواحد هي القدرة على الاختراع دون أن يشاركه فيها غيره، ومن أثبت الشركة فقد أثبت إلهين.
69
ومع ذلك فدليل التمانع وصياغاته العديدة لم تقنع المتكلمين ولا الفقهاء، ولخصوها في مسلكين ضعيفين للإثبات: الأول أنه بفرض إلهين تستوي الممكنات ويستحيل الترجيح بلا مرجح، ويمتنع وجود مؤثرين على أثر واحد، فلو أراد أحدهما الحركة لأراد الآخر السكون. فإما أن يحصل مرادهما أو لا يحصل، وكلاهما محال. وإما يحصل مراد أحدهما دون الآخر فيلزم عجزه وبالتالي يكون الأول إلها. ومنشأ الخلط والغلط هو القول بتصور اجتماع إرادتيهما. والثاني أن الطريق الموصل إلى معرفة الباري ليس إلا وجود الحادثات لضرورة افتقارها إلى مرجح ينتهي الأمر عنده وهي لا تدل على أكثر من واحد. وهو أيضا ضعيف لأنه ينفي وجود الاثنين لا وجود الواحد، وضعفه في الحقيقة أنه راجع إلى دليل الحدوث، أي إثبات وجود الله وليس إثبات وحدانية الله.
70
وعند الأشاعرة لا يستقيم دليل التمانع مع أصول القدرية؛ لأن البغداديين منهم يرون أن الصانع ليس بمريد على الحقيقة، وأنه يفعل الفعل لا بإرادة، فكانوا أقرب إلى الثنوية. وأما البصريون فمنهم من يرى أن الله مريد بإرادة حادثة لا في محل وهم بذلك لا ينفصلون عن الثنوية أيضا.