تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

58

الواحد لا يجتمع ولا يفترق، ولا يتجزأ ولا يتبعض، لا يتركب ولا يختلط. الله باعتباره موضوعا للشعور فرد. وقد يكون هو الوصف المثبت الوحيد في التنزيه، يتحدد باستبعاد أي تشابه بينه وبين الغير، هو غير لا كالأغيار، وإثباته على أنه غير رغبة في إثبات الشيء وعدم الاكتفاء بالتنزيه كعملية شعورية خالصة. فالتجاوز المستمر للحس يحتاج إلى نقطة ثابتة يصل إليها، وهنا يبدأ تجوهر الوعي الخالص في التنزيه كما بدأ تشخيصه في التشبيه.

59

وإذا كان لا يقبل القسمة فإنه لا يمكن البرهنة عليه بدليل الجوهر الفرد الذي يقوم على افتراض القسمة. ولا يمكن عمل مقدمات من طبيعة مخالفة لطبيعة النتائج وإلا بطل القياس. وهنا تأتي أهمية دليل التمانع لرفض قول الثنوية. يسمى أحيانا دليلا وأحيانا أخرى دلالة؛ نظرا لأن له صياغات عدة تقوم كلها على منع الاشتراك مرة في الوجود، ومرة ثانية في الكمال، ومرة ثالثة في القدرة، ومرة رابعة في الإرادة والمراد.

60

فلو قدر إلهان لا يخلو إما أن يشتركا من كل وجه أو يختلفا من كل وجه أو أن يشتركا من وجه دون وجه. فالحالة الأولى لا تعدد فيها، والحالة الثانية أحدهما حتما ليس إلها وهو ما لم يكن واجب الوجود كامل الصفات، وفي الحالة الثالثة يكون تخصيص الاشتراك أو الاتفاق مستندا إليه أو خارجا عنه، فإن استند إليه إما أن يكون بالذات أو بإرادة ولا يجوز لذاته وإلا كان الاشتراك ضرورة، وإن كان بالإرادة فهو متحقق دون تخصص وهو محال، وإن كان خارجا عنه إما باستناد كل واحد إلى صاحبه وهو ممتنع أو أن يكون كل منهما ممكنا وجوده وهو محال.

61

فإذا بطلت الاحتمالات كلها في افتراض العكس وهو وجود أكثر من إله يثبت الافتراض الضمني وهو أن الله واحد. وواضح أن الدليل يقوم على برهان الخلف وهو إثبات استحالة الضد وبالتالي يثبت الافتراض. فهو برهان بالعكس وليس برهانا بالأصالة. كما أنه يقوم على افتراض إلهين اثنين ولا يستبعد وجود أكثر من إلهين، فهو إذن برهان ينفي الاثنينية وقد لا ينفي التعددية.

وهناك صيغة أخرى للدليل تقوم على الوجود وليس على مجرد الاشتراك العام. فلو قدر وجود إلهين ووجود حادث، فإما أن يستند إليهما أو إلى أحدهما. ولا يمكن الاستناد إليهما معا؛ لأنه إما يضاف بجهة الاستقلال أو يضاف إليهما على وجه لو قدر الأول عدم موجود. الأول مستحيل، وإسقاط تأثير واحد ليس أولى من إسقاط الآخر، وذلك يؤدي إلى إسقاطهما معا. والثاني محال لأن إيجاد كل واحد منهما بالإرادة والقصد لا بالطبع والذات. فيمتنع قصد كل واحد منهما إلى الإيجاد، وبالتالي يستحيل وجود إلهين يستند إليهما موجود واحد حادث، ولا يبقى إلا افتراض وجود إله واحد. والدليل على هذا النحو يستبعد افتراض الاثنينية، ولكنه لا يحول افتراض الوحدانية إلى حقيقة، وتبقى الوحدانية افتراضا بلا إثبات. كما أنه لا يستبعد إمكانية المشاركة والتسلسل إلى ما لا نهاية. ويقوم على افتراض اختلاف المرادات وليس على الاتفاق وهو أليق بالآلهة. واختلاف المرادات يدل على اختلاف المريدين إرادة وليس وجودا.

62

وقد تكون الصياغة صراحة من حيث المراد، فلو وجد إلهان لاختلفا. فإذا حقق أحدهما مراده لكان الآخر عاجزا. فمحال أن يتم مرادهما معا وألا يتم مرادهما معا، والعجز من سمات الحدوث. وهو الدليل الذي يثبت الله من حيث القدرة والعلم والاختيار.

63

والحقيقة أنه دليل يثبت القدرة ولا يثبت الوحدانية. ويتعلق بالمراد، أي بالأحكام والنظام واتساق الكون، بالصفات وليس بالذات، ولهذا قد تعاد صياغة الدليل على التحيز لا على الإرادة، وبالتالي يقع بين دليل الحدوث ودلالة التمانع. وتدخل الحركة والسكون مع الإرادة. ويأتي ترجيح الإرادات وشرط الاستغناء.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٠٣