71
لا يستقيم الدليل مع أصول المعتزلة لأن لديهم يقع من العباد ما لا يقع من الرب دون أن يتضمن ذلك الحكم بقصوره نظرا لحرية الأفعال. لذلك رفض شيوخ المعتزلة التمانع في آية:
لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا
نظرا لارتباط الموضوع بخلق الأفعال. وقد حرصت الحركات الإصلاحية الأشعرية في التوحيد والاعتزالية في العدل على تبني دلالة التمانع دون التضحية بخلق الأفعال. فالوحدانية لا تقضي على الفعل الإنساني الحر، بل هي تأكيد له عندما يصبح الشعور واحدا. وإثبات الوحدانية الفردية لا يحيل الحرية الإنسانية، فالوحدانية صفة للذات أكثر منها صفة للفعل واستعمال الإرادتين الإلهية والإنسانية ليس نقصا للوحدانية.
72
والوحدة ثلاثة مستويات: وحدة الذات بنفي التركيب، ووحدة الصفات بنفي التشبيه، ثم وحدة الأفعال، أي أن الله هو الفاعل الحق. وهنا يأتي الصدام مع خلق الأفعال وحرية الإرادة عند المعتزلة. وقد نبهت الحركات الإصلاحية الأخيرة على أهمية التوحيد العملي دون النظري الذي هو «بحث فلسفي في الوحدة قلما يحتاج إليه أحد في هذا العصر» ردا على بحوث القدماء في الثنوية، في حين أن الآن لا يوجد إلا تثليث النصارى وعقائد الهندوس. وقد غلب التوحيد العملي على الأشاعرة في خلق الأفعال وإثبات عبادة الله وحده.
73
ظهر الطابع العملي للتوحيد في العقائد المتأخرة، إما عن ابتلاع للعدل في بطن التوحيد، أي ابتلاع الله لكل شيء للعالم وللإنسان أو رغبة في إعادة الحياة لعقيدة التوحيد، أي التوحيد في العالم ونفي الشرك العملي فيه. فقد سمى المتأخرون توحيد الذات والصفات والأفعال توحيدا بحصر وجوب الوجود أو بحصر الخالقية أو بحصر العبودية، وركزوا على التوحيد الثالث، أي توحيد الأفعال ونفي الاشتراك في التأثير والفاعلية وبالتالي تتحول عقيدة الجبر إلى عقيدة للتحرر.
74
كما يظهر الجانب العملي في عقائد المتأخرين في نظرية الاستغناء والافتقار، استغناء الله عن كل ما سواه وافتقار كل ما عداه إليه، الله وحده هو الجدير بالعبادة، لا يستحق أحد الألوهية سواه. وهو نفي كل مظاهر الشرك العملي، وهو معنى «لا إله إلا الله».
75 (4) عملية التوحيد
والحقيقة أن التوحيد ليس وصفا أو صفة أو معنى أو شيئا، بل هو عملية، اسم فعل من «وحد» «يوحد» «توحيدا». التوحيد ليس مجرد لفظ أو قضية عددية أو حتى فكرة أو عقيدة، بل عملية. اللفظ نفسه «توحيد» يدل على عملية التوحيد، وليس على شيء واحد. الواحد ليس وصفا للشيء بل عملية توحيد. «الله واحد» تعني أن الله توحيد، واسم الفعل يدل على العملية وليس اسم علم يشير إلى كائن مشخص.
76
فإذا كان التوحيد عند القدماء هو الخبر الصادق أي إثبات شيء وإيجاده، فهو إذن إثبات خبر أن الله واحد، أي أنه عملية برهان عملي وتحقيق الوحدانية في النفس، وحدة الشعور ووحدة الشخصية، والوحدانية في المجتمع، مجتمع بلا طبقات أو الوحدانية في الإنسانية، مجتمعات بلا قهر أو تسلط أو استغلال بعضها للبعض. لذلك اشتمل التوحيد عند الأصوليين على قسمين: العلم والإقرار، النظر والعمل، البرهان والتحقيق. فالعلم بالله واحدا دون تحقيق الوحدانية بالفعل، علم بلا إقرار. كما فرق الفقهاء بين التوحيد النظري والتوحيد العملي.
77
وهنا تمحى التفرقة التقليدية بين التوحيد كعلم للاعتقاديات وعلم الفقه كعلم للعمليات. علم التوحيد هو عملية التوحيد أو عمل التوحيد. التوحيد إذن علم وعمل. علم التوحيد هو الأساس النظري للعمل، وعمل التوحيد هو توحيد الشعور ثم توحيد العالم في نظام واحد يكون هو نظام الوحي، فالأشياء هي نظم الأشياء. التوحيد فعل من أفعال الشعور يظهر فيها الشعور ذاته من حيث هو شعور متوحد، ومهيئ لتصور واحدي للعالم. التوحيد إذن ليس عقيدة فقط بل عملية توحيد، وليس تصورا فقط بل نظام وليس عقيدة فحسب بل شريعة. والاسم «توحيد» من «تفعيل» يدل على عملية ولا يشير إلى جوهر ثابت كما هو الحال في واحد على وزن فاعل. التوحيد فعل من أفعال الشعور، تتوحد فيه قواه وأبعاده نحو ماهية واحدة مطلقة وشاملة، عامة ومجردة، خالصة ومنزهة. وقد حاولت معظم الحركات الإصلاحية الحديثة إعطاء الأولوية للتوحيد العملي على التوحيد النظري، وتوجيه النصوص نحو سلبيات الواقع، فخرج التفسير مرآة يعكس فيها الواقع نفسه حتى ولو ظلت النصوص متفرقة لا يجمعها جامع واحد ولا تخضع لنظرية واحدة تعطيها أساسها النظري بسلطتها. وفاعلية الإيمان التلقائية كافية للتعبير.