تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمجوسية نوع من الثنوية مع تغيير العبارة واللفظ وبقاء الأساس النفسي والبناء النظري. ولا يتحدث القدماء عن «المجوسية» كمذهب وعقيدة، بل عن المجوس كفرقة وطائفة. تقول أيضا بصانعين: إله قديم وهو يزدان والآخر شيطان رجيم وهو أهرمن، الأول نور والثاني ظلمة. فإن لم يكن الإلهان قديمين فالأول قديم وهو الإله الفاعل للخيرات والثاني شيطان محدث وهو الإله الفاعل للشرور. النور قديم، والظلمة حادثة. وهذا أول انكسار للثنائية كعقيدة نظرية بإعطاء الأولوية لأحد الإلهين، وهو إله الخير، على الإله الآخر، وهو إله الشر، وبالتالي الاقتراب من التوحيد، ووحدانية الإله. الأصل هو النور، والظلمة سقوط بعض أجزائه. وقد نشأ الثاني من الأول لشكة ظهرت لبعض الأشخاص النور، وكانت فكرة ردية في الصلاة، فولدت الظلام ثم تركب الظلام شيطانا. وقد تكون نشأته من فكرة متعقبة لبعض أشخاص النور، فكرة ردية أيضا، عبروا عنها بالعقوبة. فقد خطر لأحد أشخاص النور أنه لو حدث ظلام شرير يناوئه وينازعه ليرى كيف يكون فتولدت الظلمة.

48

وقد يحدث بإحداث بعض أشخاص النور معاقبة لما فرطت منهم مفارقة لما يخالف الحكمة. وقد يموت من عفونات الأرض. وما يهم في النشأة هو أن الإله الثاني ساقط عن الأول وبالتالي أقل منه، بناء على فكرة ردية وليس على فعل خاطئ (سقوط آدم) أو بناء على عقوبة لشخص، أو من مادة، وكأن مصادر الشر ثلاثة صورية ومادية وإنسانية. الشيطان جزء من الإله والشر متولد عن الخير. فهل يجعل ذلك الشيطان أقوى من الله والشر أقوى من الخير؛ لأنه تولد عن فكرة، وجزء من الخطة الإلهية إن لم يكن جزءا من الألوهية التي لا تكتمل إلا بوجوب الضد؟ وهل يجوز أن يخلق الله وهو الخير من بطنه شرا وهو الشيطان؟ هل يولد الضد الضد؟ ألا ينتهي إلى إثبات فاعلين، واحد للخير وواحد للشر، في حين أن الإنسان فاعل واحد؟ أي أنه ينتهي إلى إثبات الحتمية والتناقض وتكليف ما لا يطاق، أمر الكافر بالإيمان وهو ما لا يستطيع الفكاك منه.

49

وقد نقد القدماء من أهل السنة المجوس اعتمادا على آية:

ولم يكن له كفوا أحد

إفرادا لله بالوحدانية والألوهية. كما أن الامتزاج لا يكون بين البسائط، ولا يمكن الجمع بين المتنافرين. كما يستحيل الشك على القديم فيتولد من هذا الشك الموت والقتال واحتيال. كما نقد قدماء المعتزلة المجوس في الحسن والقبح دفاعا عن الحرية والمسئولية والعقل والتوحيد واستحالة أن يكون الإلهان سببا لتفسير أفعال الإنسان الحسنة أو القبيحة.

50

والحقيقة أن نقد المجوس عند القدماء يتوجه إما لمشكلة الشر وتجسيمه، أي كجزء من العدل أو يتوجه إلى التوحيد في رفض الاثنينية مع الثنوية أو يتوجه إلى الأخرويات في موضوع الشيطان الذي يتجسد الشر أو الوعد والوعيد والإيمان والكفر. تدخل المجوسية في ثنائية التأليه ضد الواحدية كما تدخل في حتمية الخلق ضد حرية العباد. وتدخل كذلك في إثبات أنطولوجيا ضد مسئولية الإنسان عنه فعلا وتصورا. والمجوسية مثل عقائد الثنوية، إنما هي تعبير عن حركة باطنية مكبوتة بين الخير والشر، ثم مهادنة ومصالحة مؤقتة اعترافا بميزان القوى ثم أملا في انتصار الخير على الشر في النهاية تأكيدا على ثقة الإنسان بنفسه ودفعا لأعذاره. فالزمان عامل إيجابي، والانتظار إعداد، ونهاية الزمان إعلان لانتصار الخير على الشر وقتل الشيطان، وهو ما يشبه عقائد السنة في علامات الساعة وقتل المسيح الدجال.

51

وتقول الخابطية نفس الشيء في عيسى. فالله عوض تدبير العالم إلى عيسى فهو الخالق الثاني. للخلق إذن ربان، قديم وهو الله ومخلوق وهو عيسى. المسيح ابن الله من غير ولادة، وهو الذي يحاسب الخلق في الآخرة، وهو مذكور في آيات الوحي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيد · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٢): التوحيدص ١٠١