5
وكيف لا يكون العمل علة الاستحقاق؟ وما البديل؟ الكرم والجود؟ النسب والحسب؟ الإيمان الذي لا يتحقق في عمل؟ لا يوجد مقياس آخر للاستحقاق أكثر عدلا من العمل. وإن كل الحجج التي تقال لنفي العمل كمقياس للاستحقاق إنما تصور قدرة الله فوق عدله، وإرادته فوق حكمته؛ فكيف تكون قدرة الله على الترك مقياسا للعظمة والقدرة؟ كيف تغلب الإرادة والقدرة على العدل؟ كيف يقضي التوحيد على العدل، والعدل أحد مكتسباته؟ وإذا كانت الطاعة شكرا على النعم، فإن الشكر فعل يستلزم الثواب. وليس الشكر بالفم وحده، بل يكون بالفعل والطاعة والتمتع بالنعم دون الإضرار بالنفس، ويكون الجحود فعلا يستوجب العقاب؛ فشكر الله على النعم إذن لا ينفي العمل كأساس للاستحقاق بل يؤكده؛ لأنه فعل يستحق الثواب كما أن الجحود فعل يستحق العقاب. ولا يكون شكر الله مكافأة على النعم؛ إذ لا يمكن مكافأة الله؛ فالله لا ينتظر مكافأة من أحد، وهي مكافأة ضئيلة بالنسبة لعظم النعم، كما أن حياة الإنسان ووجوده ليسا هبة من أحد عليه. إن الإنسان لا يعمل من أجل النعم السابقة واستبقاء لها؛ فمهما عمل الإنسان فإنه لن يوفي نعمة الحياة والوعي والعقل والإبداع حقها. وهذان مستويان مختلفان بين المتناهي في الكبر وهو النعم، والمتناهي في الصغر وهو شكر الإنسان. ونعم الحياة ليست معطاة بل موجودة، ليست في مقولة الملكية بل في مقولة الوجود؛ فهي أضخم بكثير من أن يمتلكها إنسان أو يهبها أحد. ويخشى من التصور التجاري المحض: ما دام الإنسان قد استلم البضاعة فعليه دفع الثمن، حتى ولو كان ثمنا بخسا لا يتفق مع عظمة المشتريات. وهل الله في حاجة إلى شكر النعم؟ وهل أفعال الإنسان شكر على النعم أم أداء للرسالة وتحقيق للأمانة؟ إن فعل الإنسان لا يكون فرضا على الله، بل هو احترام الله لفعل الإنسان واكتساب الإنسان لفعله من الله، وهو أحد مكتسبات العدل من التوحيد. الإنسان حبيب الله ومعشوقه، وخليله وصفيه، مخلوقه وكليمه، بدليل إرسال الوحي إليه، وخلق الكون له، وجعله سيدا له، وتكريمه إياه في البر والبحر، وتسخير المخلوقات لأجله.
6
إن وضع الإنسان في الحياة في حالة الثقة بالنفس وضع من ذاته وليس كرما أو جودا من أحد، نتائج عمله تأدية لواجباته ولا شكر على واجب. إن قانون الاستحقاق لا يجوز إلا بين متكافئين، أما نعم الله والثواب عليها فغير متكافئين؛ هذا شكر المنعم وليس الاستحقاق. لا يعني الاستحقاق أن الثواب والعقاب يعودان على الله بنفع أو ضرر، ولكن تزداد ثقة الإنسان بفعله وبنتائجه وبقوانين الطبيعة وسنن الكون، فالله غني عن العالمين، وإنما أتى الوحي لمصلحة الإنسان.
7
إن التكليف لا يتطلب بالضرورة القضاء على صفات الأفعال الذاتية وموضوعية القيم، بل قد يكون التكليف تأكيدا وإثباتا لها؛ مما يدل على ارتباط الأصول بعضها ببعض. ولا تقضي موضوعية القيم على الحرية، بل على العكس هي شرط لها؛ فموضوعية القيم تعطي الحرية ثباتا عمليا واستقلالا نظريا، وتجعلها مباشرة في مواجهة موضوعها. ولماذا يضيع جهد الإنسان ومشقته وتعبه بلا جزاء؟ ولماذا تقع النتائج ابتداء دون مقدمات، كرما دون استحقاق، هبة ومنة لا كسبا وتحصيلا؟ والعجيب أن يتجه إلى ذلك أنصار الكسب، وإثبات الكسب هنا أولى من أجل الاستحقاق، وليس لسلب الإنسان حريته وخلقه لأفعاله. كيف يحصل الإنسان على نتائج فعله من غير تعب ولا نصب؟ ليست المشكلة هي القدرة على العطاء، بل استحقاق العطاء. ليس الأمر من وجهة نظر الله، بل من وجهة نظر الإنسان. وما فائدة العطاء لو كان جبرا ومنة؟ وما قيمته لو كان من السيد إلى العبد؟
8
لذلك ارتبط الاستحقاق بحرية الأفعال؛ ومن ثم فثواب الملائكة ليس كثواب البشر، فالملائكة ليسوا أحرارا وليسوا مكلفين مأمورين وطائعين، في حين أن البشر مكلفون مأمورون ومنهيون بناء على تمتعهم بشروط التكليف؛ حرية الأفعال وكمال العقل. فالإنسان وحده هو الموجود الحر العاقل الذي اختار الرسالة لحملها، والأمانة لتبليغها، والكلمة لتحقيقها.