تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

وقد تؤخذ حلول وسط؛ إما باستحقاق العقاب والتفضل بالثواب، أو باستحقاق الثواب والتنازل عن العقاب! والأول انتقام وسوداوية وحقد وتشف وغضب، وكأن قانون العقل هو قانون العقاب وحده، والثواب تفضل وتنازل وعطاء ومنة لا يعرف إلا بالسمع. قد يكون ذلك في حق الغير ممكنا؛ فالغير المسيء لي عقابه واجب عقلي لا تسامح فيه، في حين أن ثوابه على فعل الطاعة لا يؤثر كثيرا فيها؛ لأن الطاعة حسنة لذاتها وليس لثوابها، ولا يعفو الإنسان عن المسيء له إلا بسمع، ولكن ألا يجعل ذلك السمع معارضا للعقل ومناقضا له، بل وهادما إياه؟ وهل يكون أساس العقاب وحده في العقل في حين أساس العفو أو الثواب بالسمع؟ وإذا كان الأمر بالنسبة إلى النفس، فهل تود النفس توقيع العقاب عليها عقلا وإرجاء الثواب إلى السمع؟ ألا يكون ذلك تعذيبا للنفس إيلاما للذات؟ ولماذا لا يتنازل العقل عن العقاب في حين يتنازل عن الثواب وكأن حق الآخر لا تنازل فيه ولا يكون التنازل إلا في حق الذات؟ إذا كان العقل لا يقبل الإساءة، فإنه قد يقبل التنازل عن الثواب إذا ما جاء السمع به. هل هذه تضحية بالذات في سبيل الغير، أم أنه تعذيب للذات بالإبقاء على عقابها والتنازل عن ثوابها؟

10

أما الثاني وهو استحقاق الثواب والتنازل عن العقاب فهو أقرب إلى الطبيعة الخيرة، وهو من شيم القدرة على العفو، فالعفو عند المقدرة. والعقاب في النهاية ليس غاية في ذاته بل وسيلة للإصلاح، وإذا ما تم صلاح الناس يصبح العقل بلا داع أو هدف. فإذا ثبت الثواب بالعقل فالعقاب ينظر فيه بالعفو؛ نظرا لإمكانيات الندم والتوبة، وإن لم يتم الصلاح فالعقاب لا فائدة منه، وغرض التكليف هو النفع، فإن لم ينتفع المكلف وعصى فقد فوت على نفسه النفع وهو أكبر عقاب له، وتتوقف الغاية من العقاب الأول. والله منزه عن إنزال العقاب بالناس إن فوتوا صلاحهم في الدنيا، ولن يعود عليه شيء بالنفع إذا ما تم العقاب. التعذيب في حد ذاته ضرر خال من المنفعة، والله منزه عنه أو حتى عن النفع، بل العقاب والنفع إنما هما لصالح الإنسان، وليس الدافع لتوقف العقاب هو خلق الله للأفعال، فذاك ضد مكتسبات العدل؛ الحرية والعقل؛ فالعقاب من نتائج التكليف. وقد يكون التنازل عن العقاب فضلا أو تعبيرا عن الرحمة والقدرة.

11

ولكن في هذه الحالة تظهر عدة اعتراضات رئيسية، منها افتراض الكذب في الخبر، أو تأويله بحيث يتبدل القول، وتجويز عدم خلود الكفار في النار. وهي اعتراضات عقائدية صرفة، جدلية دينية.

12

ولكن المهم هو الاعتراضات في التجربة الإنسانية؛ فإذا كان إبقاء الثواب وإيقاف العقاب يعبران عن نزعة إنسانية، وهي تجربة التسامح والعفو، فإنه أيضا يكشف عن جانب آخر فيها، وهو رفض الإنسان العفو عن الظالم والقاهر والمعتدي والقاتل، فذلك كله ضد العدل؛ فبقدر ما يتضمن شعور المطيع العفو عن العاصي يتضمن أيضا الفرح لعقابه، وبقدر ما في نفسه من رحمة وعطف بالناس بقدر ما يحز في نفسه أيضا مرور الظالم بلا عقاب، والقاتل بلا قصاص. صحيح أن المطيع أخذ ثوابه في الدنيا من تقدير الناس واحترامه له، كما أخذ العاصي عقابه في الدنيا من تصغير الناس له واحتقاره إياه، ولكن ماذا عن المؤمن المصاب والعاصي الذي خلا من العقاب؟ (2) إثبات الاستحقاق

الاستحقاق إذن قانون عقلي ثابت مثل القانون الطبيعي، يثبته العقل وتؤكده التجربة البشرية، ولا تهم جهة الوجوب هل هو وجوب شرعي أو وجوب عقلي؛ فالشرع يقوم على العقل، والعقل أساس النقل.

13

وثبوت الاستحقاق شرعا من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع تأكيد على ثبوته عقلا وهو القياس؛ فالاستحقاق ثابت نصا، وخطاب الله صادق لا كذب فيه، بل تبدو الذات نفسها متحققة بصفاتها ومنها الرحمة؛

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٩٨