تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

كيف يترك مصير الإنسان لمطلق المشيئة والإرادة؟ كيف تترك الأفعال أمام احتمال تطبيق قوانين متعارضة ومتناقضة، لو طبق أحدها كان ظلما ولو طبق الآخر كان عدلا؟ صحيح أن الله حر الإرادة، ولكن الإنسان أيضا قد فعل واجتهد ويريد أن يعرف مصيره طبقا لعالم يحكمه قانون ثابت وعدل. وإذا كان ذلك معروفا في الدنيا فيما يتعلق بالديات والكفارات، فالأولى أن يكون معروفا في الآخرة حيث لا خطأ هناك ولا جور. وهل علاقة الله بالإنسان علاقة المالك بالعبد؟ ألا توجد خطورة في أن تتحول هذه العلاقة من المستوى الديني إلى المستوى السياسي والاجتماعي، ويتحول كل مالك أو حاكم إلى إله وكل إنسان إلى عبد مملوك يتصرف فيه المالك أو الحاكم كما يشاء؟ أليس التصور، تصور السيد والعبد، تصورا إقطاعيا خالصا، يفعل السيد مع العبد ما يشاء وليس للعبد أي حق، حتى حق الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية؟ وأين حق الثورة؛ ثورة العبيد على الأسياد أو على الأقل حق حرية العبيد وحق المساواة بين الناس؟ وكيف تكون العلاقة بين القوي والضعيف مجرد إرادة القوي دون حقوق الضعيف؟

4

وكيف يكون الثواب فضلا وليس استحقاقا، في حين يكون العقاب عدلا واستحقاقا ؟ ولماذا يتم التفضل على الإنسان إذا ما أعطي حقه أداء لواجبه، في حين يعطى إليه استحقاقه من العقاب إذا ما تهاون فيه؟ وهل من شيمة الإله التصدق بالثواب وفرض العقاب؟ ولماذا يجوز الابتداء بالثواب دون الاستحقاق، في حين يكون الاستحقاق للعقاب فقط؟ بهذا التصور يكون الله أقرب إلى الانتقام منه إلى العفو، وأكثر رغبة في العقاب منه في الثواب، وكأن الله يتضجر بالطاعة فيعطي الثواب تفضلا، ولكنه يتنعم بالمعصية فيعطي العقاب استحقاقا وتشفيا! لماذا يكون الثواب فضلا والعقاب عدلا؟ هذا تصور سوداوي وقاس لله. فلماذا لا يكون كلاهما عدلا واستحقاقا؟ لماذا يقتر الله في الثواب ويكون كريما في العقاب؟ أو لماذا يكون الثواب طبقا للكرم والجود والإرادة، والعقاب طبقا لقانون الاستحقاق؟ إن الأقرب إلى الألوهية هو العكس؛ أن يكون الثواب عن استحقاق، أما العقاب فيتنازل الله عنه بالعفو. والعجيب أن يعرف الأشاعرة بأنهم أهل الرحمة لا أهل العدل، في حين أنهم أخذوا العدل فيما وجبت فيه الرحمة، وجعلوا الرحمة فيما وجب فيه العدل. ولو أدخلنا الجنة من غير عمل لا نكون مستحقين لها. والذي لا عمل له ولكن له كرامة لا يقبل ثوابا تفضلا على شيء لم يفعله، كما يأخذ الجائزة الأولى في سباق وهو آخر الفائزين! إن الثواب لا يكون تفضلا أو إنعاما أو إحسانا، بل يكون استحقاقا، وإلا أصبح الإنسان عبيد إحسانات الآخرين، ولأصبح الناس عبيد إحسانات الحاكم «وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا»! إن نتائج أفعال الإنسان لا تأتي من أعلى هبة ومنة، بل تأتي من أسفل كسبا واستحقاقا، وإن حقوق الشعوب لا تكون منة وهبة من الحكام، بل تكون استخلاصا لها منهم عنوة وقسرا بعد نضال لأجله يطول لعدة أجيال وفي أعمار لعدة حضارات. هناك ارتباط ضروري بين الطاعة والثواب لا يمكن فصله، وإلا لما كانت هناك طاعة، ولما وجد الثواب طريقا إلى شيء يكون جزاء له. ليس العقاب انتقاما من الله، بل مجرد نتيجة للفعل تحدث في الدنيا، سواء قبل الموت أو بعده، لما كانت الحياة مستمرة. وما الموت إلا نقطة بداية جديدة، وانتقال من فعل الفرد إلى فعل الجماعة من خلال السنة والقدوة، والأثر والفكر. ومع أن العقوبة إيلام إلا أنها زجر في الحاضر ورعاية مصلحة في المستقبل، مع أنها إيلام للجاني إلا أنها تخفيف عن آلام أخرى؛ إرشاد وإصلاح. فالعقاب من أجل العقاب إيلام وتشف وغيظ. إنه ليصعب الخروج على تصور العدل، بأن يعاقب الله بغير ذنب؛ فالواقعة لا تخرج من المبدأ ولا تعتمد عليه. ولما كانت الواقعة لم تحدث بعد يظل المبدأ قائما معلنا عنه في الخطاب. إن الفضل والعدل مبدآن متعارضان؛ الفضل كرم، والعدل استحقاق.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٩٦