تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27

أفعال الاستحقاق إذن هي أفعال البالغين كاملي العقول، أفعال القصد والنية بعد التبليغ، وليست أفعال الصبية والمجانين وأفعال السهو والخطأ والنسيان أو من لم تبلغه الدعوة، هذه الأفعال وحدها هي التي ينطبق عليها قانون الاستحقاق. الأفعال القابلة للحكم هي الأفعال المؤثرة المقصودة، القائمة على التدبر والروية، وتتوافر فيها النية الحسنة أو السيئة. وصاحب الفعل هو المكلف الحر العاقل البالغ. وهي الأفعال المستحقة المدح والذم وما يتبعهما من الثواب والعقاب؛ فالفعل قد يقبل المدح فقط دون أن يترتب عليه ثواب، وقد يقبل الذم فقط دون أن يترتب عليه عقاب؛ فالاستحقاق إذن على درجتين؛ الأولى استحقاق عند الناس وهو المدح والذم، والثاني استحقاق عند الله وهو الثواب والعقاب.

28

والاستحقاق يكون على الفعل وعلى الترك؛ فالترك فعل سلبي لأن عدم الفعل فعل، والإمساك عن الفعل إتيان لفعل، وإن منع الفعل عن التحقق هو تحويل له من الخارج إلى الداخل، ومن الواقع إلى الإمكان؛ فعدم الفعل ليس فعلا عدما، بل هو فعل شعور داخلي أو فعل إرادة تحيط بالشعور وتمنعه من التخارج. فالثواب والعقاب على الفعل وعلى عدم الفعل لأنهما فعلان مختلفان؛ أحدهما إيجابي والآخر سلبي؛ فالمندوب فعل والمكروه عدم فعل، والأول له ثواب، ثواب الفعل؛ والثاني له أيضا ثواب مثل الأول، ثواب عدم الفعل. فإذا كان الفعل حركة فإن عدم الفعل معنى؛ أي امتناع الإرادة عن التحقق. فالإنسان غير الجماد في حالة عدم الفعل؛ لأن عدم الفعل عند الإنسان فعل إرادي، في حين أنه في الجماد سكون طبيعي. ولا يتشابه عدم الأفعال؛ فعدم الإيمان ليس مثل عدم الكفر؛ الأول قبيح والثاني حسن. فإن تشابها في الفعل الإرادي فإنهما متمايزان في الصفة؛ فصفات الحسن والقبح موضوعية في الأفعال.

29

| ثانيا: قانون الاستحقاق

ويعني قانون الاستحقاق ثواب المطيع وعقاب المسيء، أو أن الجزاء من جنس الأعمال. وهو قانون يشمل العقليات والسمعيات معا؛ فالله لا يكذب ومن صفاته العلم لا الجهل؛ فالقانون تعبير عن الذات والصفات؛ أي عن أصل التوحيد. كما أن الله عادل لا يظلم؛ وبالتالي يكون القانون أيضا تعبيرا عن العدل ومن مقتضيات العقول استنادا إلى الحسن والقبح العقليين. كما يشمل السمعيات؛ فهو جزء من رسالة الأنبياء، وعليه سيتم الجزاء في المعاد. كما أنه يقوم على ربط الإيمان بالأعمال، سواء في الفرد أو في الحاكم؛ وبالتالي فإنه يشمل أيضا موضوع الأسماء والأحكام وموضوع الإمامة آخر موضوعين في السمعيات. (1) هل يمكن نفي الاستحقاق؟

إن نفي قانون الاستحقاق هو في واقع الأمر نفي للارتباط الضروري بين الفعل ونتائجه، بين العلة والمعلول، وهو ما ينافي الأمور العامة في نظرية الوجود في المقدمات النظرية الأولى.

1

فكل فعل يؤدي إلى نتيجة، كما أن كل علة تؤدي إلى معلولها. وتكون نتائج الأفعال المقصودة من نوع الأفعال ذاتها، كما تكون المعلولات من جنس عللها. الثواب إذن نتيجة طبيعية للطاعة، والعقاب نتيجة طبيعية للمعصية، كما أن الاحتراق نتيجة طبيعية للنار، والتجمد نتيجة طبيعية للبرودة، لا فرق في ذلك بين قانون العقل وقانون الطبيعة. قانون الاستحقاق إذن قانون عقلي، وهو في نفس الوقت قانون طبيعي، ولا يمكن قلب القانون أو عكسه أو خرقه أو إيقافه أو إبطاله، طالما أن هناك عقلا وطبيعة. ولا يعني ذلك حتمية في السلوك الإنساني؛ فحرية الاختيار وخلق الأفعال أحد مكتسبات العدل وهو من العقليات، ولا يمكن هدم العقليات بالسمعيات، بل تتأسس السمعيات بالعقليات.

2

هدم قانون الاستحقاق إذن هو تدمير للطبيعة وقضاء على السلوك الإنساني وإيقاع الاضطراب والعشوائية فيه، وتأسيس الحياة الإنسانية على عدم الثقة والضياع ونقص التوجيه وغياب التطلع إلى المستقبل. فكيف يعاقب المطيع ويثاب العاصي؟ وكيف يوثق بالعقل وبالقانون إذا ما تم تدميره في المستقبل؟ كيف يوثق بأي شيء؟ كيف يقضى على كل ضمان وينزع كل اطمئنان؟ ليس المهم هو الإثابة أو العقاب، بل أثر ذلك على الحاضر، وضياع ثقة المطيع بطاعته فيعصي، واعتزاز المسيء بإساءته فيستمر فيها. وما دام الحال في النهاية سواء بين المطيع والمسيء، وما دام الأمر سيقلب فينال المثيب عقابه والمسيء ثوابه، ففيم الاستمرار في الطاعة أو ترك العصيان؟ أليس ذلك استخفافا بالعقل وهدما للحكمة الإلهية وقضاء على الشرائع؟ كيف يستطيع الإنسان أن يعيش في عالم لا يحكمه قانون؟ كيف يعيش الإنسان حياته وهو لا يضمن نتائج أعماله؟

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٩٥