5
في حين ارتبط موضوع المعاد بالأشاعرة. ويتداخل مع أصل العدل سواء في خلق الأفعال أو في الصلاح والأصلح؛ فالإرادة المطلقة لا تمنع من اختراق الحرية الإنسانية لها. وإذا كان الوعد والوعيد نتيجة للتكليف، فإن التكليف قائم على العقل وحرية الاختيار. وقد تسمى «علوم» الوعد والوعيد لأنها تشمل عدة موضوعات تتناول الأصلين العقليين؛ التوحيد والعدل، وباقي الموضوعات السمعية كالنبوة والأسماء والأحكام. وقد يتركز الوعد والوعيد على أحد موضوعاته، مثل الاستحقاق لو أنه في العقائد المتأخرة يرتكز على السمعيات؛ أي على تشخيص الاستحقاق بعد نفيه كمبدأ عقلي.
6
ويقوم تحديد الوعد والوعيد على النفع والضرر، وهما مقياسان للتشريع بالإضافة إلى مفهوم المستقبل كمكان للحدوث؛ فهما لا يعنيان الثواب والعقاب في الحال، بل في المآل، وليسا مجرد مكافأة أو عقاب، بل استمرار لمقياس النفع والضرر في الشريعة. فأفعال الاستحقاق هي أفعال وردود أفعال؛ أفعال مباشرة وأفعال متولدة، مقدمات ونتائج، علل ومعلولات. فإذا كانت أفعال الدنيا هي الأفعال المباشرة، فإن الوعد والوعيد يمثلان الأفعال المتولدة أو ردود الأفعال أو نتائج الأفعال أو معلولات الأفعال الأولى باعتبارها عللا لها. لا يوجد فعل إلا وله رد فعل، ليس فقط في الحال، وهو موضوع الشريعة أو علم أصول الفقه، بل أيضا في المآل، وهو موضوع العقيدة؛ أي علم أصول الدين.
7
ويشتمل موضوع المعاد على قسمين رئيسيين: الأول كل ما يتعلق بقانون الاستحقاق نفيا أو إثباتا، وهل يجوز فيه الخصوص أو الاستثناء أو الشفاعة أو الولاية والعداوة أو الموافاة البشارة وشروط التوبة. والثاني تطبيق هذا المبدأ في الحياة بعد الموت؛ وبالتالي كل ما يتعلق بالمعاد الجسماني أو الروحاني وحياة القبر وعلامات الساعة، واليوم الآخر وما فيه من حساب وميزان وصحف وكتبة وإنطاق للجوارح وصراط وحوض، وجنة ونار، إلخ. فالقسم الأول هو قانون الاستحقاق الذي طبقا له سيتم الحساب، الجزء الثاني عملية الحساب ذاتها. الأول هو القانون، والثاني هو الاتهام والمرافعة والحكم والتنفيذ. ولا يأتي الثاني قبل الأول؛ لأن العلم بالقانون شرط المساءلة.
8 (2) أفعال الاستحقاق
وأفعال الاستحقاق هي أفعال الشعور الخارجية الحرة العاقلة، وليست أفعال الشعور الداخلية أو أفعال الاضطرار التي لا تتوافر فيها الحرية أو العقل كأفعال الصبية والمجانين وأفعال النائم والساهي. وقد كانت حرية الإرادة وكمال العقل من مكتسبات العدل الذي تولد من التوحيد، وكان استقلال الوعي الإنساني الفردي من مكتسبات النبوة؛ أفعال الاستحقاق إذن هي أفعال كل فرد حر وعاقل ومسئول. القادر على النظر والعمل هو الإنسان الواعي الحر العاقل، وليس الطفل أو الصبي أو المجنون أو الذي ينتسب إلى آبائه أو قومه أو عشيرته؛ فيكون مثلهم إيمانا أو كفرا، طفلا أو بالغا. كل نفس بما كسبت رهينة، وكل إنسان قد ألزم طائره في عنقه، ولا تزر وازرة وزر أخرى. أفعال الأطفال والصبية ليست أفعال استحقاق؛ وبالتالي لا يستحقون العقاب في النار أو في غيرها. فليس أطفال المشركين في النار مثل آبائهم؛ لأنهم لم يبلغوا بعد مرحلة البلوغ وسن التكليف. وكيف يتحول الطفل من الكفر إلى الإيمان حتى يصح له الثواب، أو من الإيمان إلى الكفر حتى يستحق العقاب؟ وهل يتحمل الطفل جريرة أبيه ؟ وما ذنب طفل كفر أبوه فيدخل النار مثله، في مقابل طفل آخر آمن أبوه فيدخل الجنة مثله؟ إذا كان الأبوان مسئولين عن إيمانهما وكفرهما، فأين تقع مسئولية الطفلين؟ وأين تكافؤ الفرص بالنسبة لهما؟ وماذا لو شب الطفل وبلغ وأدرك وأنكر دين آبائه وارتد عنه وآمن بعد كفر ولكنه اخترم قبل أن يبلغ أشده؟ وماذا لو شب الطفل من أب مؤمن ثم كفر بعد البلوغ وكمال العقل ولكنه اخترم وهو صغير؟ هنا يظهر ارتباط إيمان الأطفال بالصلاح والأصلح من جديد؛ مما يدل على استحالة تأسيس السمعيات دون العقليات. وكيف يظل أطفال المؤمنين مؤمنين أطفالا بالغين حتى يكفروا، ويظل أطفال الكفار كفارا أطفالا وبالغين حتى يؤمنوا، وليس لديهم الوعي الحر العاقل المسئول الذي به يمكنهم أن يتحولوا من الإيمان إلى الكفر أو من الكفر إلى الإيمان؟ فإذا ما تحول أطفال المؤمنين بعد البلوغ وكمال العقل والإدراك من الإيمان إلى الكفر، وإذا ما تحول أطفال الكافرين بعد البلوغ وكمال الإدراك والعقل من الكفر إلى الإيمان، فإن هذا التحدي الأخير هو فعل الاستحقاق؛ لأنه الفعل الحر العاقل وليس الفعل السابق. وإن ممارسة الأطفال الشرائع مثل أبويهم قبل مرحلة البلوغ وكمال العقل إنما تتم تقليدا وتبعية، وإيمان المقلد لا يجوز، والتقليد ليس طريقا إلى المعرفة كما وضح ذلك في نظرية العلم. وكما يدان الكافر المقلد