مستقبل الإنسانية أو المعاد موضوع يتلو طبيعيا موضوع النبوة؛ فالنبوة تتعلق بماضي الإنسانية وتاريخ وعيها تطورا واكتمالا، في حين يتعلق المعاد بمستقبل الإنسانية ونتائج أفعالها المستقلة؛ الحرة العاقلة. كلاهما تاريخ عام؛ الأول تاريخ الماضي والثاني تاريخ المستقبل. الأول تاريخ تحقق في حين أن الثاني تاريخ لم يتحقق بعد، ولكنه في سبيل التحقق. فالمعاد نهاية النبوة ومستقبلها، والنبوة بداية المعاد وماضيه. موضوع مستقبل الإنسانية أو نهاية العالم، أي المعاد، يأتي بطبيعة الحال بعد تطور الوحي وتاريخ الإنسانية الماضي كدرس ثان فيها؛ الأول بفعل الأنبياء والثاني بفعل الشهداء، وكأن النبوة لها معنيان: الأول تحققها كنظر، والثاني تحققها كعمل. التحقق الأول في الماضي قام به الأنبياء، والثاني في المستقبل يقوم به الشهداء. التاريخ إذن متصل من الماضي إلى المستقبل، متحقق بالفعل وممكن التحقق من جديد. وفي هذه الحالة لا يكون مستقبل الإنسانية أو المعاد موضوعا مستقلا عن ماضي الإنسانية أي النبوة، فتدخل أمور المعاد على أنها جزء من النبوة، فكلاهما من السمعيات.
1
وقد يكون الموضوع مع موضوع آخر، وهو النظر والعمل؛ أي مع الأسماء والأحكام نظرا لارتباطهما معها، فأفعال الاستحقاق هي أفعال الإيمان والعمل، أفعال الإقرار والتصديق، وأمور المعاد ما هي إلا نتيجة لها. وفي هذه الحالة يكون مستقبل الإنسانية مشروطا بحاضرها، ويكون التاريخ العام تحققا للتاريخ المتعين ابتداء من أفعال الاستحقاق للفرد. ولما كانت أفعال الفرد هي أفعال الاستحقاق؛ أي الأفعال الحرة العاقلة، ارتبط الموضوع أيضا بأفعال الشعور الداخلية مثل الإيمان والكفر، والتوفيق والهداية والخذلان والضلال.
2
وقد يعود الموضوع إلى الحسن والقبح العقليين والعقل الغائي والصلة بين العقليات والسمعيات والفرق بين الوجوب والإمكان؛ أي إلى أصل العدل في العقليات؛ فقانون الاستحقاق الذي ينبني عليه مستقبل الإنسانية نتيجة للحسن والقبح العقليين وتوليد الأفعال لنتائجها توليدا طبيعيا؛ فإذا كانت الأفعال حسنة أو قبيحة في ذاتها، فإن إثابة المطيع وعقاب العاصي شيء حسن في ذاته، كما أن عقاب المطيع وإثابة العاصي شيء قبيح في ذاته. والموضوع مرتبط بالغائية والغرض؛ لأن نفي الاستحقاق يقوم على نفي الغاية والغرض، في حين أن إثبات الاستحقاق يقوم على إثبات الغاية والغرض. وهو مرتبط أيضا بمسألة السمع والعقل؛ فكثيرا ما توضع مسائل الثواب والعقاب مع السمعيات، وإذا ما ألحق قانون الاستحقاق بالسمعيات لم يعد قائما على العقل؛ وبالتالي ينتفي القانون ذاته. وقد يرتبط الموضوع بالوجوب والجواز؛ تدخل أمور المعاد ضمن الواجبات؛ فالله لا يجوز عليه الكذب، والخلف كذب، وهو الكذب النظري؛ أي الإخبار بشيء غير واقع، وهو الكذب العملي أيضا؛ أي الإخبار بشيء على أنه سيفعله في المستقبل ثم لا يفعله، سواء كان هذا الواجب شرعيا أم عقليا. وعند المتأخرين يدخل في الجواز؛ إذ يجوز على الله الترك والفعل، ويجوز عليه عقاب المطيع وثواب العاصي؛ فالاستحقاق يدخل في الجواز لا في الواجبات، مثل ثواب المطيع وعقاب العاصي، ولا في المستحيلات، مثل عقاب المطيع وثواب العاصي.
3
وقد يرتبط موضوع المعاد بصفة الكلام في التوحيد؛ أي في الأصل الأول من العقليات؛ فالمعاد خبر، والخبر قول أو خطاب، وكلاهما كلام. ويتأرجح الحديث في الكلام بين الكلام كصنعة أزلية، أو الكلام للخطاب مثل الأمر والنهي والخبر والاستخبار. الأول موضوع ديني عقائدي في التوحيد، والثاني موضوع علمي لغوي في النبوة كرسالة.
4
وقد يبدو الموضوع كأصل مستقل هو «الوعد والوعيد»، أحد الأصول الخمسة بعد التوحيد والعدل؛ فإذا كان الأصل الأول للتوحيد قد ضم موضوعي الذات والصفات، وكان الأصل الثاني العدل قد احتوى على موضوعي خلق الأفعال والحسن والقبح العقليين، يكون الأصل الثالث وهو الوعد والوعيد يشير إلى أمور المعاد؛ نظرا لأنهما يتعلقان بأحكام الأفعال من حيث نتائجها في التاريخ واستمرارها فيه بعد الموت؛ لذلك ارتبط موضوع الوعد والوعيد كأصل من الأصول الخمسة بالمعتزلة،