إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، كذلك لا يؤخذ بإيمان المؤمن المقلد؛ فالنظر أول الواجبات كما وضح ذلك أيضا في نظرية العلم. وماذا لو تحول الأبوان وهما عاقلان بالغان من الكفر إلى الإيمان أو من الإيمان إلى الكفر؛ هل يتحول أطفالهما معهما من الكفر إلى الإيمان أو من الإيمان إلى الكفر، وهم لا يعرفون ما الإيمان وما الكفر؟ ألا يكون ذلك أخذ فرد بجريرة آخر، وتحميل غير العاقل البالغ مسئولية العاقل البالغ؟
9
وإذا كان من الطبيعي أن يدعى الأطفال إلى الإسلام بعد البلوغ وكمال العقل، فمن غير المعقول أن يصدر حكم عليهم بالبراءة منهم قبل البلوغ وهم غير مدركين وغير عاقلين وغير بالغين. والأقرب إلى العقل الحكم ببراءتهم وليس بالبراءة منهم، الحكم بموالاتهم وليس بعداوتهم، وإلا ففيم كان الحكم الشرعي في حالة الحرب بتحريم قتل الأطفال والنساء؟ فالأطفال لم يبلغوا بعد ولم يصلوا إلى كمال العقل، والنساء يطعن أزواجهن في الغالب إيمانا وكفرا. ولا يكفي البلوغ وحده، بل لا بد من كمال العقل؛ فالبلوغ العضوي قد لا يصاحبه كمال العقل، وقد يأتي كمال العقل قبل البلوغ العضوي.
10
وكيف يحكم على الأطفال بأنهم مؤمنون أطفالا وبالغين طبقا لإيمان آبائهم، أو بأنهم كافرون أطفالا وبالغين طبقا لكفر آبائهم، وتتم التسوية بين الطفولة والبلوغ، بين اللاعقل والعقل؟ وما دور البلوغ والعقل إذا صدر حكم بعدهما؟ وبناء عليهما فكيف يصدر حكم مخالف قبلهما وطبقا لأي مقياس سوى التقليد؟
11
إن وعي الإنسان لا يحدث بالتقليد أو بالوراثة، بل بالإدراك والتمثل والاختيار العاقل. ويزداد الأمر خطورة في الفقه المترتب على الحكم على الأطفال بالإيمان والكفر فيما يتعلق بالدية والميراث؛ فقتل الطفل الكافر لا دية له ولا يرث ولا يورث؛ وبالتالي تستباح دماء الأطفال وأموالهم وممتلكاتهم أخذا بجريرة الآباء. والحقيقة أن الوصول في الحكم على الأطفال إلى حد استباحة دمائهم وأموالهم إنما يرجع في حقيقة الأمر إلى أطفال المخالفين الذين استباحوا دماء أطفال مخالفيهم؛ واحدة بواحدة، وطفلا بطفل. إن قتل غير البالغ العاقل جريمة يحرمها الشرع؛ لأن أفعاله خارجة عن الاستحقاق.
12
والحقيقة أن الاعتماد على الحجج النقلية لا يبرر الحكم بأخذ الأطفال بجريرة الآباء؛ فالحجة النقلية لا تعطي الظن لخضوعها للتأويل ولقواعد التفسير ولمنطق اللغة من محكم ومتشابه، ومجمل ومبين، وخاص وعام، وظاهر ومؤول، وحقيقة ومجاز، ولشتى صيغ الخطاب؛ فالخبر غير الأمر أو النهي، والقصص غير التشريع. إن الحكم بالإيمان والكفر لا يكون إلا على العقلاء البالغين، والأطفال ليسوا كذلك؛ فلا سبيل إذن إلى التفرقة بين أطفال المؤمنين وأطفال المشركين في الدنيا أو في الآخرة، ولا ضير أن يرث الأطفال فيما بينهم في الدنيا أو أن يوجدوا معا في الآخرة، لا فرق بين مؤمن وكافر؛ لأنهما حكمان لا ينطبقان عليهم. وإن كثيرا من هذه الحجج النقلية معارضة بأخرى تؤكد المسئولية الفردية، مثل:
وإذا الموءودة سئلت * بأي ذنب قتلت ، وغيرها من الآيات المماثلة.
13
ونظرا لصعوبة الحكم بعذاب الأطفال وبأخذهم بجريرة آبائهم، فقد يترك الأمر اختيارا لله، إن شاء عذب وإن شاء غفر، لا عن طريق الاستحقاق ولا عن طريق الانتقام، بل لأنه صاحب المشيئة والإرادة. وهذا تخل عن قانون الاستحقاق وعن أصل العدل وإرجاع المسألة إلى التوحيد، إلى صفة الإرادة. وإذا ما كان أطفال المؤمنين في الجنة، فليس لأن آبائهم مؤمنون، بل لأنهم أطفال لم يبلغوا ولم يصلوا بعد إلى الأمر والتكليف.
14
وكيف يؤجج الله نارا فيأمر الأطفال باقتحامها، فإن فعلوا استحقوا الجنة وإن لم يفعلوا استحقوا النار؟ وكيف يدخل الأطفال النار ثم يخرجون منها إلى الجنة؟ هل هو عقاب أم ثواب؟ ولماذا يعاقب من لا يقحم نفسه في النار ويلقي بنفسه إلى التهلكة وهو غير مكلف؟ وعلى أي أساس تتم التفرقة بين الأطفال؛ بين من يرمي نفسه في النار ومن يحجم عنها؟ وأين الخوف الطبيعي؟ وأي طفل سيلقي نفسه في النار؟ وهل للطفل إرادة عاقلة واختيار حر يختار بهما بين الإقدام والإحجام؟ وهل يمتحن الله الأطفال بعد الاخترام وقبل التكليف وبعد انقضاء الزمان؟ إن ذلك الامتحان لا يحدث للبالغين ولا للذين لم تبلغهم دعوة الإسلام؛ فامتحان البالغ المكلف في الدنيا وليس في الآخرة، والذي لم تبلغه دعوة الإسلام غير مكلف، وأفعاله خارج الاستحقاق بالرغم من إمكانية العاقل الوصول إلى أصلي التوحيد والعدل.