83
أما المعاملات فإنها تنقسم إلى الأحوال الشخصية أي أحكام الفروج، والأحوال العامة أي أحكام العاملات، والقانون الجنائي أي أحكام الحدود، والقانون المدني أي المحرمات والمباحات، ثم أحكام الأموات. وليس المهم في هذه الأحكام ذكر الأنماط المثالية لها، يقرأ الإنسان فيها أمانيه ويجد فيها تعويضا عن مآسيه. يجد فيها الحاكم فرصة للمزايدة على الإيمان، ووسيلة لتغطية نظام حكمه والتستر عليه بستار الإسلام، بل المهم هو ذكر أحوال الناس، وكيف أن تطبيق الشريعة الإسلامية هو السبيل لإعطاء الناس حقوقهم قبل مطالبتهم بأداء واجباتهم. ليس المهم عرض أحكام النكاح والرجعة والطلاق والخلع والظهار والإيلاء والعدة واللعان والرضاع والمهر ونفقات الأزواج ، بل المهم معرفة أوضاع الأزواج ومشاكل طالبي الزواج من مسكن وقوت وأوضاع المطلقات أو الموقوفات، فلا هن متزوجات ولا مطلقات، وأوضاع دور الحضانة، وارتفاع المهور. وهناك فرق بين الشريعة، المبادئ العامة المنصوص عليها والتي لا تتغير، والفقه الذي هو اجتهاد الفقهاء والمشرعين في كل عصر. الأول ثابت، والثاني متغير. فإذا تغيرت الظروف اليوم فمهمة المجتهد تجديد الفقه في ضوء الشريعة، خاصة فيما يتعلق بقوانين الطلاق وتعدد الزوجات، طالما نقص التعليم وقتل الوعي الديني، كما أن الخلاف بين الفرق القديمة حول أحكام الفروج خلاف تاريخي صرف؛ فلا الفرق موجودة ولا أحكامها مطبقة. وتغيب الفرق الجديدة بالرغم من حضور المشاكل المعاصرة.
84
أما أحكام المعاملات فقد غلبت عليها أحكام التجارة أولا فالزراعة ثانيا. وبطبيعة الحال أن تقل منها أحكام الصناعة والتعدين. وقد كثرت مشاكل المال والتجارة وتعقدت النظم البنكية والنقدية، وأصبحت عملات المسلمين، أو على الأقل فريق منهم، لا قيمة لها بين عملات الفريق الآخر القوية في البنوك الأجنبية يستثمرها أعداء المسلمين. وعظمت مشاكل الزراعة، ومات فريق من الأمة جوعا وقحطا، بينما يموت الفريق الآخر بطنة وشبعا. واتسعت الأراضي القاحلة، وقلت الأراضي الزراعية، وزاد عدد الفلاحين حتى لقد احتاج الأمر إلى إعادة نظر في الملكية الزراعية. فكما أن الأرض لمن يصلحها، فالأرض لمن يفلحها، ولا نصيب للملاك الغائبين في الأرض. وإن أخذ جزء من عمل الفلاح الأجير من جراء كرائه الأرض لهو سلب لعمله من مالك لم يعمل وله مصدر رزق آخر في المدينة. وإذا كان القدماء قد عرفوا الذهب والفضة والنحاس والحديد، فقد عرفنا نحن النفط الذي تنطبق عليه نظرية الركاز؛ أي إن كل ما في باطن الأرض ملك للأمة، وليس لأمير أو قبيلة أو نظام. وقد تفاوتت الدخول بين الأغنياء والفقراء لدرجة التفاوت بين السماء والأرض؛ مما تطلب إعادة توزيع الدخول بين المسلمين.
85
أما أحكام الحدود فليس القصد منها تخويف المسلمين وإرهابهم من الشريعة الإسلامية، أو حماية الأغنياء من غضب الفقراء، أو تطبيقها عليهم وحدهم دون الشرفاء، وليس صلبها حد الزاني وشارب الخمر، بل حد السارق والقاهر والظالم؛ فقد أتت الشريعة لاسترداد حقوق الضعفاء من الأقوياء. وإن الهدف من الحد هو البحث الاجتماعي أولا قبل تطبيقه لمعرفة السبب؛ فقد يكون هناك مانع من تطبيقه.
86
أما المحرمات والمباحات فليس المقصود منها تكبيل الطبيعة بالأغلال، بل العودة إلى البراءة الأصلية في المباحات، والتعبير عن مقتضيات الطبيعة في الواجبات.
87
وإن أحكام الأحياء في النهاية من مأكل ومسكن وملبس لأولى من أحكام الأموات من غسل وكفن ودفن.
88
| الفصل العاشر: مستقبل الإنسانية (المعاد)
| أولا: وضع المشكلة
مستقبل الإنسانية هو الشق الثاني من التاريخ العام بعد الشق الأول؛ النبوة. وإذا كانت النبوة تعني ماضي الإنسانية، فإن المعاد يشير إلى مستقبل الإنسانية. والماضي والمستقبل، البداية والنهاية، كلاهما جانبان للتاريخ العام؛ إذا كان ماضي الإنسانية يمثل حركة الذهاب، فإن مستقبل الإنسانية يمثل حركة الإياب؛ وإذا كانت النبوة تمثل فعل الله في التاريخ من خلال الأنبياء، فإن المعاد يمثل فعل الله في التاريخ من خلال الشهداء؛ وإذا كان ماضي الإنسانية يتحدد في الزمان، فإن مستقبلها يكون أقرب إلى أن يتحدد في الخلود. الدنيا بداية الآخرة، والآخرة نهاية الدنيا، والانتقال من أحدهما إلى الآخر هو الانتقال من الحياة الدنيوية إلى الحياة الأخروية، وما الموت إلا لحظة الانتقال من الحياة الأولى إلى الحياة الثانية. (1) هل هو أصل مستقل؟