تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

78

وقد تعطي شرعية الإمساك عن التأويل بتأويل بعض النصوص، كما تعطي شرعية التأويل بتأويل نفس النص؛ فسواء كان الأمر نهيا عن التأويل أو أمرا بالتأويل ففي كلتا الحالتين يحتاج إلى تأويل.

79

والحقيقة أن التأويل ضرورة ولا يكفر من يقوم به. وحتى لا ينتج عن التأويل قول خاطئ يؤدي إلى فعل خاطئ، كانت هناك قواعد للتأويل وشروط للمفسر، مثل العلم باللغة العربية وبأسباب النزول والوعي بالمبادئ النظرية؛ التوحيد والعدل، والحاجات العملية لجماهير المسلمين.

80

وبالإضافة إلى هذه المبادئ اللغوية: العام والخاص، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والظاهر والمؤول، هناك أيضا أدلة تتجاوز اللغة إلى المعنى مباشرة سماها الأصوليون في علم الأصول دليل الخطاب أو لحن الخطاب أو فحوى الخطاب. ويعني المفهوم أو دليل الخطاب الذهاب إلى المعنى الشامل الكلي داخل الألفاظ. ويسمى أيضا مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة؛ أي إدخال كل معنى يتفق مع اللفظ فيه، وإخراج كل معنى يخالف اللفظ منه. ويدخل في ذلك السياق؛ أي المعنى الكلي للجملة الذي قد لا تفيده الألفاظ المفردة. فإذا لم تفد الألفاظ في مفرداتها فإنها تفيد بسياقها، فلا يوجد خطاب إلا وله متعلق، وقد يكون متعلق الخطاب فيما بين السطور.

81

ولما كانت الدلالة ليست فقط لغوية بل أيضا فعلية، فإن تحليل الخطاب ليس هو الطريق الوحيد للدلالة، بل أيضا أفعال النبي؛ فدلالة فعل النبي مثل دلالة الخطاب، ورؤية الدلالة مثل فهمها، وإدراك الدلالة مثل تصورها. وما دام الرسول قدوة وفعل نموذج فإن دلالته تصبح عامة للناس جميعا؛ فأفعاله تنفيذ لأوامر وتمثل لها. وإنما يكون الخلاف في وجه الدلالة؛ هل هو الوجوب أو الندب أو الإباحة؟ ومن ثم كانت دلالة الأفعال لا تستقل بذاتها، بل هي دلالات مساعدة لدليل الخطاب حامل الدلالات الأولى. فالوحي خطاب قبل أن يكون فعلا، ورسالة قبل أن يكون رسولا.

82

وعلى هذا النحو تصب مباحث علم أصول الدين في علم أصول الفقه، ويجد النظر تحقيقه في العمل، وتهبط النبوة من الإيمان بالملائكة والغيب إلى فهم الرسالة من أجل قضاء المصالح والسعي بين الناس. (ج) تحقيق الرسالة

وكما صب علم أصول الدين في علم أصول الفقه في الأدلة الأربعة وفي تحليل الخطاب، فإنه يصب هذه المرة في علم الفقه تأكيدا على الانتقال من المضمون النظري للنبوة إلى المضمون العملي. وتتحقق الرسالة في العبادات وفي المعاملات، في الشقين الرئيسيين لعلم الفقه. وتتركز العبادات في أركان الإسلام الخمسة، وليس المهم فيها هو إعادة تكرار المادة الفقهية، بل معرفة دلالتها على أصلي العدل والتوحيد. ليس المهم ممارستها كما، بل دلالته كيفا، بل إن الأهم من ذلك كله هو الانتقال من أصولها النظرية في علم التوحيد إلى دلالتها العملية في العبادات في علم الفقه، إلى الممارسة العملية في المجتمعات. فالشهادتان لم يتم التركيز عليهما بالرغم من أنهما أساس باقي العملية في المجتمعات، في عمليتي النفي والإثبات، في حركتي الرفض والقبول، والعصيان والطاعة. وقد يكون السبب هو دخولهما في باب الأسماء والأحكام؛ أي في النظر والعمل باعتبارهما صيغة القول والإقرار. فالشهادتان ليستا باللسان والقول فقط، بل بالتصديق والفعل. ليستا في الداخل فقط في الذهن والقلب، وهو أضعف الإيمان، بل في الخارج أيضا بالكلمة والفعل، باللسان واليد. والشهادة ضد الكتمان والصمت «ومن يكتم الشهادة فإنه آثم قلبه». والصلاة إحساس بالزمان وبأداء الفعل فيه، واقتراب من الأفعال الخلقية واجتماع وتعارف، وتباحث في أحوال المسلمين. النية شرطها حتى لا تكون نفاقا وكسبا للمال أو الشهرة أو الجاه أو تعمية على السرقة والنهب والاحتيال. ليست طاعة لأمير المؤمنين إماما، بل تأدية لواجب الأمة انتسابا. تتلوها الزكاة؛ أي حق الجماعة على الفرد في أمواله، وسيولة للمال في المجتمع ضد اكتناز الثروات بلا استعمال. والصوم تهذيب للنفس وشحذ للإرادة وإعلان على تجاوز الإنسان لنفسه ولعالمه، وعيش على مستوى الجماعة، وإحساس بحاجات الفقراء، وبأحوال المساكين. والحج اجتماع للمسلمين في زمان ومكان معين لبحث أمور الأمة ووحدتها، والممارسة العملية للوحدانية في العمل. وفوق ذلك كله يأتي ركن الجهاد الذي يتصل بالركن الأول؛ الشهادتين، فالطرفان يلتقيان، فالشهادة والشهيد من نفس المصدر «شهد»، فالشاهد والشهيد صنوان. ويكون الجهاد من أجل فكرة قبولا ورفضا، ويكون بالعقل والمحاجة، ويكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون بالنصيحة، ويكون جهادا فعليا؛ جهاد الأعداء في حالة الظلم والعدوان والاعتداء واحتلال الأراضي والإخراج من الديار ونهب الثروات واستباحة الحرمات وامتهان الكرامات. فإذا ما تم تحرير أراضي المسلمين ووحدتهم وأصبحوا في مثل قوة الأعداء وأقوى منهم، وتطاحن أعداؤهم فيما بينهم وانقسموا إلى معسكرين كبيرين وقوتين عظميين يدمر بعضهم بعضا، في هذه اللحظة التاريخية، يمكن للأمة أن تقوم بدورة جديدة في التاريخ، تدعو إلى الإسلام. ولا تعني «الجزية» أكثر من استعلاء المسلمين ووصولهم إلى درجة أخذ زمام المبادرة في التاريخ، ولا يجوز الصلح مع العدو المحتل أو الاعتراف به وإنهاء الحرب معه، وواجب الإمام سد الثغور وبناء الجيوش وإعداد الأمة لرد الظلم والعدوان. وفي هذه الحالة يكون الجهاد فرض عين لا فرض كفاية، لا يسقط عن أحد لأن الآخرين يقومون به وإلا كان من المتخلفين القاعدين. الجهاد تتويج للنبوة في الأرض وتحقيق للرسالة في التاريخ.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٨٨