69
التأويل منهج حق قد يراد به باطل إذا كان الغرض منه هدم الشريعة والقضاء على فاعليتها في العالم. وإذا توجه التأويل اللغوي إلى الأفعال فإن التأويل الباطني يتوجه إلى الطبيعة والكون؛ أي التأويل الباطني للظواهر لتأويل الطبيعة الخارجية واستشراف ظواهرها فيما وراء اللغة. التأويل اللغوي تأويل للنصوص في حين أن التأويل الباطني تأويل للطبيعة، وتأويل الطبيعة هو في الحقيقة إسقاط العواطف والانفعالات الإنسانية على ظواهر الطبيعة، فالطبيعة خالية من المعنى، والإنسان هو الذي يسقط من شعوره المعاني على الطبيعة كما هو الحال في اختبارات الإسقاط. وإذن كان الهدف من التأويل اللغوي تثبيت حقائق الوحي وإزالة الشك فيه، في حين أن التأويل الباطني يهدف إلى هدم حقائق الوحي وتثبيت الشك فيه لأن زعزعة النظر أولى درجات الانسياب في العمل؛ لذلك كان التأويل اللغوي علنيا يذاع، في حين أن التأويل الباطني سر يكتم، وبينما لا يفسر التأويل اللغوي إلا المعاني يفسر التأويل الباطني الرموز. فالنصوص كلمات، والكلمات حروف، والحروف أعداد، والأعداد أسرار.
70
وإذا كان التأويل اللغوي يقوم به فرد واحد، فإن التأويل الباطني يحتاج إلى معلم. الأول يضع حقائق موضوعية لإيصالها للناس، والثاني يستخرج الحقائق من قلوب السامعين وتوليدها منها دون إيصال حقائق له. وإذا كان التأويل اللغوي يهدف إلى معرفة الحقيقة فإن التأويل الباطني يهدف إلى التأثير على الناس. والتأثير ليس فقط منهجا في الفهم، بل أيضا منهج في الإقناع والإيحاء عند الخصوم للتشكيك والتضليل. لا يعتمد على العقل بقدر ما يعتمد على الإيحاء الباطني. فإذا اعتمد التأويل اللغوي على قواعد اللغة فإن التأويل الباطني يعتمد على التحليل النفسي والاجتماعي للسامع لمعرفة كيفية إقناعه والتأثير عليه.
71
وإذا كان التأويل اللغوي لا يتعلق بالأحكام بقدر ما يتعلق بالاعتقادات، فإن التأويل الباطني يهدف إلى العمليات والنظريات معا حتى يفك الارتباط بين الحكم والفعل بتدخل المعاني والنظريات، فيتوه العقل فيها ويفقد توجهاته العملية.
72
وإذا كان التأويل يعني لغويا العودة إلى الأصل، فإن التأويل الباطني يرجع الوحي إلى النبوة، ويرجع النبوة إلى مصدر الوحي. ومع ما في هذا من ميزة في القضاء على تشخيص الوحي في شخص النبي، فإنه مع ذلك يقع في تشخيص مقابل، وهو تشخيص الوحي في شخص الإمام أو في شخص الله.
73
والحقيقة أن التأويل له أسسه الاجتماعية والسياسية المحلية، وليس ناشئا عن مصدر خارجي يوناني أو غيره، كما لم تأت التأويلات الباطنية من مصدر عربي سابق؛ فالنظريات لها نشأتها الاجتماعية والسياسية.
74
التأويل من حيث المبدأ محاولة للبحث عن الحقائق فيما وراء الألفاظ والوقائع التي تشير إليها المعاني، ولكنه من حيث الواقع قراءة مذهب كل إنسان في النص والتعرف على نفسه فيه؛ تدعيما لمواقفه وهدما لمواقف الخصوم في مجتمع النص فيه سلاح وسلطة؛ فالتأويل هو منهج جبر النص للدفاع عن المذهب ثم تكييف النص حسبه؛ فالمذهب هو الأساس والنص هو الفرع.
75
ولما كان خلاف المذاهب هو في الحقيقة التعبير الأيديولوجي للصراع على السلطة، كان التأويل الباطني أحد وسائل زعزعة السلطة القائمة. والمعارضة التي تبنت التأويل الباطني إما الشعوبية التي كانت تريد إرجاع الملك إلى العجم دون العرب، أو قبائل العرب التي لم تخرج النبوة منها. وهذه هي صفوة المعارضة أو قيادتها بالإضافة إلى العامة التي لا تقتدر على مناهج النظر وطرق الاستدلال.
76
وفي مقابل الباطنية تخرج الظاهرية تتمسك بظاهر النصوص.
77
قد يكون ذلك دفاعا عن السلطة القائمة، ومنعا لإيجاد مضمون جديد للنص غير مضمون السلطة، ودافعا جديدا له غير واقعة السلطة؛ وبالتالي تم «قفل» النص وتثبيته وعدم تحريكه؛ حتى لا يقوم بتوجيه الواقع وتغيير النظام القائم. وقد يصل الأمر إلى حد تكفير المتأولين مثل باقي فرق المعارضة باعتبارها فرقا هالكة؛ فكل فرقة تكفر الفرق المخالفة. ولما كانت الفرقة التي تكفر المتأول في السلطة، والتي تقوم بالتأويل في المعارضة، كفرت السلطة المعارضة تحت ستار التأويل، وتحت شعار المحافظة على ظاهر النص.