تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

66

ويدخل المحكم والمتشابه أيضا كحالة خاصة في المجمل والمفسر؛ من أجل إحكام الزمان والمكان للفعل الإنساني؛ لذلك كانت مواطن الإجمال الباقية خاصة باللفظ والمعنى؛ فقد يكون الإجمال في اللفظ من جهة صلاحه لمعنيين حتى يتم اختيار أحدهما طبقا للزمان والمكان؛ أي الواقعة التي يتم فيها الفعل، وهذا هو حال المحكم والمتشابه. وقد يكون الإجمال في اللفظ في نفسه معلوما ثم صار مجملا باستثناء مجمل، وهذا هو حال المستثنى والمستثنى منه. وقد يكون الإجمال في اللفظ معقول المعنى لغويا، وضعت الشريعة له شروطا، مثل ألفاظ الصلاة والزكاة، ولكنه في حاجة إلى تأويل آخر؛ أي إخراج اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى آخر؛ لوجود دليل أو إمارة أو قرينة، وهذا هو حال الظاهر والمؤول.

67

والمحكم هو الواضح الذي ليس في حاجة إلى تأويل في حين يحتاج المتشابه، وهو الذي يشير إلى معنى واحد في حين يشير المتشابه إلى معنيين يتم ترجيح أحدهما دون الآخر؛ حتى يمكن الإشارة إلى واقعة واحدة دون الأخرى. ويمكن معرفة المتشابه فهو ليس سرا؛ وبالتالي لا يكون نموذج التشابه الحروف الأولى من السور؛ فهذه تدخل في حساب الأسلوب الجمالي واللغوي كما هو معروف في الأساليب الأدبية. المحكم هو الذي لا تأويل له غير تنزيله على عكس المتشابه الذي له تأويل، وقد يستعمل تعبير الألفاظ المشتركة للمتشابهات، مثل الوجه واليد والعين. وليس نموذج المتشابه هو القصص؛ لأنه لا يحتوي على معنيين، ولو كان متشابها لما أدى وظيفته في ضرب الأمثلة لحقائق التاريخ المستمدة من سلوك الأفراد والجماعات وتاريخ الشعوب. فالقصص ليس متشابها؛ لأن الغرض منه ليس وصف التاريخ وإعطاء أخبار تاريخية، بل وصف التجربة البشرية وإيجاد دلالتها في لحظة اكتمال الوحي واستقلال الشعور الإنساني، كما أن القصص للإيحاء والإقناع وليس لاستنباط الأحكام؛ للترويح على النفس وليس للتشريع. وليس المتشابه هو أمور المعاد وشئون الأخرويات؛ فهذه يمكن تأويلها مجازا تعبيرا عن رغبة الإنسان في عالم تسوده العدالة المطلقة في مقابل هذا العالم الذي يعيش فيه الظالم ويشقى فيه العادل، عالم تنكشف فيه الحقيقة في مقابل هذا العالم الذي تسوده الأقنعة والدوار. وقد يكون المحكم هو الوعد والمتشابه هو الوعيد؛ نظرا لاحتماله معنيين؛ التخويف أو العقاب، توجيه السلوك أو تنفيذ الترهيب، والأول يحقق النفع الفعلي والهدف من الوعيد في حين أن عدم تحقق الثاني يدل على علو القدر ورفعة المنزلة. فإذا كان المحكم عقاب الفاسق، والمتشابه ما خفي عقابه، فقد يكون ذلك أيضا لخطورة الفسق؛ أي خروج العمل على النظر وعدم تطابق الفعل مع القول. والحقيقة أن المحكم والمتشابه دافع على البحث والنظر، وصارف عن الجهل والتقليد، كما أنه يدل أيضا على درجة عالية من الفصاحة وتذوق اللغة، كما هو الحال في الحقيقة والمجاز، وكل جهد هو في النهاية ثواب أعظم.

68

أما الظاهر والمؤول فإنهما يكونان لب تحليل الخطاب خاصة المؤول. فالتأويل سلاح ذو حدين؛ يمكن أن يفيد في ضبط الأحكام والاستدلال عليها؛ وبالتالي إثباتها من أجل تحقيقها، وهذا هو التأويل اللغوي، ويمكن أيضا أن يقضي على الأحكام ويرفعها من أجل نفيها أو إسقاطها، وهذا هو التأويل الباطني. يقوم التأويل اللغوي على طبيعة اللغة وصلتها بالفكر، في حين يقوم التأويل الباطني على صلة اللغة بالشيء. الأول تأويل أولي يبغي الصورة الفنية، بينما الثاني تأويل مادي يبغي الشيء. الأول تأويل نظري يهدف أولا إلى معرفة المبدأ، بينما الثاني تأويل عملي يهدف إلى تغيير الواقع مباشرة. ومع ذلك فإن هدف التأويل اللغوي إحكام المبدأ النظري من أجل تحقيق الفعل، في حين أن التأويل الباطني يهدف إلى إسقاط الشرائع وإبطال الحدود. هدف الأول الخارج والتحقق، وهدف الثاني الداخل والتأمل. وتأويل الشريعة لا يعني رفعهما أو تبديلها أو تجسيمها؛ فالشرائع أفعال، والأفعال تهدف إلى تحقيق أبنية مثالية للعالم.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعاد · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من العقيدة إلى الثورة (٤): النبوة –‎ المعادص ٨٦