15
الرؤيا لها تفسير طبيعي في حياة الإنسان، ولا شأن لها باتصال المرسل بالمرسل إليه، وهي مثل ما يخطر للبصر دون حضور موضوع؛ أي الرؤية الباطنية للشعور بعد قلب النظرة. ويتم ذلك في حال اليقظة كما يتم في حال النوم، ومثلها مثل أحلام اليقظة، وهي من فعل الطبائع؛ طبيعة النفس وطبيعة البدن، وليست من فعل الله. وإذا كان صدق الرؤيا لا يتحقق إلا في الواقع، يكون الواقع هو المحك في صدق الرؤية؛ وبالتالي لا تحتوي الرؤيا على صدقها الباطني. هي مجرد أضغاث أحلام تعبر عن مكنونات النفس، ولا شأن لها بالصدق أو الكذب؛ فهي ليست وسيلة للمعرفة، بل استمرار لحياة الشعور دون حالة اليقظة، وإعمال لخيال الإنسان في غياب العقل الواعي؛ فهي تفكير من نوع خاص، وتفسيرها الصادق إنما يتم بعد الوقائع، ثم قراءة هذا الواقع في صور الرؤيا. ولو لم تحدث الوقائع على هذا النحو لما أمكن أن يكون للرؤيا أي معنى.
16
فإن لم تكن الرؤية استمرارا للنبوة، فهل الحكمة استمرار لها؟ هل تستطيع النفس بتصفيتها أن تدرك ما يدركه النبي؟ هل يستطيع الحكيم بعقله أن يدرك الحقائق كما يدركها النبي؟ والحقيقة أن السؤال نفسه إنما يتوجه إلى النبوة الرأسية، لا إلى النبوة الأفقية؛ أي إلى نظرية الاتصال، وليس إلى النقل المتواتر. هو سؤال علوم الحكمة في نظرية الاتصال، وليس سؤالا في علم الأصول بشقيه؛ علم أصول الدين وعلم أصول الفقه الذي يتوجه إلى النبوة في التاريخ وعبر الأجيال كعقائد نظرية وكسلوك عملي. إن تجرد النفس الناطقة بطبيعة الحال يجعلها قادرة على إدراك الحقائق النظرية، كما أن تفاوت النفوس في درجات الصفاء والتجريد تجعلها أيضا متفاوتة في درجات الإدراك. فالوحي بهذا المعنى عام وليس خاصا، يستطيعه الفيلسوف كما يستطيعه النبي.
17
واعتبار الوحي تعبيرا عن الطبيعة الإنسانية ليس إنكارا للنبوة بقدر ما هو إثبات لدوامها عن طريق نزوع الطبيعة ؛ فالطبيعة هي الوحي، والوحي هو الطبيعة، وكل ما يميل الإنسان إليه يطبعه هو الوحي، وكل ما يتوجه به الوحي هو اتجاه في الطبيعة. الوحي والطبيعة شيء واحد. ولما كانت الطبيعة مستمرة فالوحي بهذا المعنى مستمر، والنبوة دائمة، ولكنا أنبياء يوحى إلينا من الطبيعة، وصوت الطبيعة هو صوت الله. والوحي الطبيعي هو أكبر رد فعل على الوحي الرأسي؛ فهو وحي بلا معجزات ولا ملائكة ولا أنبياء، ومع ذلك يقر بالتوحيد وبالبعث وبالجزاء؛ مما يجعل استعمال لفظ الوحي هنا استعمالا مجازيا خالصا، أي إدراك العقل القائم على الطبيعة، وبطبيعة الحال يستمر الوحي بهذا المعنى طالما أن هناك عقلا وأن هناك طبيعة.
18 (3) حفظ الوحي وبقاء الشريعة
وقد يضاف إلى الادعاء بالنبوة والقدرة على إجراء المعجزات القول بنسخ القرآن، وإبطاله كله أو بعضه، وبقدرة الإمام النبي على إحضار قرآن جديد ووحي آخر وشريعة بديلة، فيتوقف الوحي القديم ذاته، وتنسخ شريعته كلية، ويفسح المجال إلى الإمامة؛ النبوة الجديدة. ويكون الإمام الجديد من الصابئة؛ أي من دعاة الدين الطبيعي، ولا يكون من العرب، بل من العجم؛ مما يدل على الدافع السياسي وراء القول باستمرار النبوة ونسخ آخر شرائعها. فإن لم يتم استبدال العرب كلية، فيمكن استبدال فريق بفريق، وظهور الإمام النبي في الجماعة المضطهدة؛ لذلك يجوز البداء والنسخ، ليس فقط داخل آخر مرحلة، بل أيضا بعدها.
19
وقد يشكك في الوحي المدون نفسه، كله أو بعضه؛ فقد انتقل القرآن ورفع، أو أحرقت المصاحف قبل أن تجمع، فالقرآن الأول غير القرآن الثاني، وقد يحدث فيه التبديل زيادة أو نقصانا، مثال ذلك إخراج قصة يوسف من القرآن؛ لأنها قصة عشق، وكأن العشق ليس أحد مظاهر الوجود الإنساني مثل النبوة والعصمة.