20
ولا خفاء في أن الدافع لذلك دافع سياسي خالص؛ من أجل التشكيك لدى العامة في الرسول ودحض شرعيته، إما بزيادة نص أو بنقص آخر كان ينص صراحة على إمام آخر.
وقد يبدو من المتناقض التسليم بأن النبوة في آخر الزمان. والحقيقة أن هذه معتقدات أهل السنة في علامات الساعة من أمور المعاد، ولكن المسيح الدجال لن يأتي بنبوة جديدة؛ فقد توقفت النبوة، وإلا لظلت الإنسانية قاصرة حتى نهاية الزمان تنقصها مرحلة، ابتداء من ختم النبوة حتى المسيح الدجال، معلقة في التاريخ، لا هي ناقصة تتطور، ولا هي كاملة تعتمد على نفسها. ولا يأتي بشريعة جديدة، ولكنه ينزل على شريعة الإسلام، فيطبقها عنوة بعد أن تراخى في تطبيقها الحكام، وتساهل فيها الناس، ويحيي القرآن في قلوب الناس بعد موات.
21
ومعظم الروايات عن آخر الزمان إنما تعبر عن الأمل في المستقبل والثقة بالنصر، تعويضا عن ضعف الحاضر وهزائمه. فإذا ما ظهر في القدس أو حتى داخل العالم الإسلامي، فإنه يحرر الأرض ويقضي على مظاهر القهر، ويعيد توزيع الثروة، ويوحد الأمة، ويقضي على التغريب، ويقاوم التخلف، ويجند الجماهير، كل ذلك تعبيرا عن تطلعات المسلمين اليوم.
| سادسا: وقوع النبوة
بعد الحديث عن إمكانية النبوة يأتي وقوع النبوة بالفعل. وما يهمنا هو وقوعها في المرحلة الأخيرة التي تتضمن من قبل وقوعها في المراحل السابقة، فالنهاية تدل على البداية في حين أن البداية لا تدل على النهاية. الحديث الأول مجرد حديث في الإمكانيات النظرية وعدم الاستحالة العقلية، في حين أن الحديث الثاني هو نقل لما وقع بالفعل، وتناول لموضوع تاريخي، بالإضافة إلى صحة نقله، بالرغم من هذا الوقوع إلا أنه يمكن أيضا وجود أدلة عليه، إما الأخبار منها في كتب الأنبياء السابقين، أو أحوال النبي قبل البعثة، أو المعجزات بالمعنى القديم، أو الإعجاز بالمعنى الجديد. (1) أخبار الأنبياء السابقين
إذا كانت كل مرحلة تؤدي إلى المرحلة التالية، فإن هذا التطور يكون مخبرا عنه؛ فالمرحلة السابقة تخبر عن قدوم مرحلة لاحقة؛ فالدليل على خاتم النبوة هو إخبار كل نبي سابق بما سيتلوه من تنبؤات وما يتبعه من أنبياء. والحقيقة أن هذا الدليل ليس حاسما من حيث الواقع وإن كان مقبولا نظرا؛ فدقة الوصف بالمكان والزمان والتعيين والاسم قد لا يكون دليلا على الصدق، بل قد يكون دليلا على الكذب، كما هو الحال في بعض الكتب السابقة، مثل إنجيل يوحنا الذي يكثر من هذه التفصيلات للإيهام بالصحة التاريخية؛ فتفصيلات الإطار حتى ولو طابقت الواقع قد لا تعني صدق الواقعة. وماذا لو كان النص السابق محرفا ومبدلا في نصوص لم تثبت صحتها تاريخيا؟ وماذا لو كان النص موضوعا وكثير من النصوص قد تم وضعها بعد حدوث الواقعة إسقاطا من الحاضر على الماضي؟ وماذا لو كان النص الأصلي محذوفا أو منقوصا من أجل تزييف الوقائع والطعن في شرعيتها؟ وماذا لو كان النص مؤولا بحيث ينطبق على الواقعة بعد حدوثها ولا يشير إليها؟ وماذا لو كان النص بغير ذي دلالة، ثم تحدث الواقعة فتجعل النص دالا، بل وتخلق فيه دلالته قصدا بعد أن كانت الدلالة بالمصادفة؟ وكيف يمكن الاستدلال بالمراحل السابقة وهي منسوخة، خاصة إذا جاز النسخ في الأخبار جوازه في الأمر والنهي، وإذا جاز في العلم جوازه في الإرادة؟ وهل من الضروري أن تعلمه المراحل السابقة وتخبر عن قدوم مرحلة لاحقة، أم أن ذلك يتكشف من الموضوع ذاته من خلال علاقة داخلية؛ علاقة الوسيلة بالغاية، أو العلة بالمعلول، أو المقدمة بالنتيجة، أو الافتراض بالقانون؟ ولا يدخل هذا الإخبار ضمن المعجزات؛ لأنه ليس خرقا لقوانين الطبيعة، ولا نقضا لمجرى العادات.
1
ولن يقنع الإخبار به إلا أصحاب الدين الجديد الذين آمنوا بالمراحل السابقة، وقدروا على تجديد الدين. أما الأمم الأخرى التي لم تبلغها المراحل السابقة، أو التي بلغتها وأصرت على المحافظة على دين الآباء، فيظل الإخبار بالنسبة لهؤلاء بغير ذي دلالة، كما أن مجرد الخبر هو إيمان بالرواية دون العقل، والرواية ظنية طبقا لنظرية العلم؛ ومن ثم يصبح وقوع النبوة معتمدا على إخبار الأنبياء السابقين ظنيا خالصا. (2) أحوال النبي قبل البعثة